ثم إنّ على كل جارحة أدبا تختص به ، قال تعالى :
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
[ الإسراء : 36 ] وحقيقة هذه الآداب راجعة إلى المراقبة ، قال بعض المشايخ : الأدب مع اللّه عزّ وجلّ أن لا تتحرك جارحة من جوارحك في غير رضا اللّه سبحانه وتعالى .
حكي عن بعضهم أنّه قال : نظرت إلى شخص نظر شهوة ، فرأيت في المنام قائلا يقول : إنّ اللّه تعالى يقول : الدنيا داري ، والخلائق فيها عبيدي وإمائي ، فمن نظر إلى أحد منهم بغير حق فقد خانني ، فانتبهت وآليت على نفسي أن لا انظر إلى شخص بعد ذلك إلا على حدّ الأمانة .
وسئل أبو عثمان الحيري - رضي اللّه عنه - عن الصحبة ، فقال : توسّع إخوانك بمالك ولا تطعم من مالهم ، وتنصفهم من نفسك ولا تطلب الإنصاف منهم ، وتكون تبعا لهم ولا تطلب أن يكونوا أتباعا لك ، وتستكثر ما إليك منهم وتستقل ما منهم إليك « 1 » .
وقيل : الشرف في ثلاث : إجلال الكبير ، ومداراة النظير ، ورفع النفس عن الحقير .
وقال أبو بكر الكتاني « 2 » رضي اللّه عنه : جرت مسألة المحبة بمكة في الموسم ، وكان الجنيد - رضي اللّه عنه - أصغرهم سنا ، فتكلم فيها المشايخ ، ثم قالوا : هات ما عندك يا عراقي ، فأطرق رأسه ودمعت عيناه ، ثم قال : عبد ذاهل عن نفسه ، متصل بربه ، قائم بأداء حقوقه ، ناظر إليه بقلبه ، قد أحرق قلبه الأنوار الإلهية ، وصفا شربه من كأس ورده ، وانكشف له الحق من أستار عينه ، فإن تكلم فباللّه ، وإن نطق فمن اللّه ، وإن تحرك فبأمر اللّه ، وإن سكن فمع اللّه ، فهو
هامش
( 1 ) قوله ( وتستكثر ) : لعلّ في العبارة قلبا تصحيحه هكذا : وتستقل ما إليك منهم وتستكثر ما منهم إليك ( ع ) .
( 2 ) محمد بن علي بن جعفر ( 000 - 322 ه ) الكتاني ، أبو بكر : أصله من بغداد ، صحب الجنيد ، وأقام بمكة مجاورا بها ، إلى أن مات . وكان أحد الأئمة . « طبقات الصوفية » ( 373 ) .