ومن ذلك أنّ الأستاذ أبا حفص النيسابوري « 1 » - رضي اللّه عنه - جاء إلى منزل الجنيد ، فقام إليه وعانقه ، فقال له أبو حفص : دعنا من هذا ، عندك شيء تطعمنا ؟ قال : أي شيء يشاء الشيخ ؟ قال : أريد بطيخا ، فأمر الجنيد بعض أصحابه بإحضار ما قال ، فلما حضر البطيخ قال : يا أخي ! أحببت أن أوثر به للّه عزّ وجلّ ، فقال : إنّي أحبّ ما تحبّ ، ثم قال الجنيد لبعض أصحابه : احمل هذا مع الشيخ إلى أين عزم ، فقام معه إلى أن وصل دارا فدقّ الباب ، فإذا بشخص من داخل الباب يقول : ادخل إن كان معك بطيخ ، فدخلنا فإذا بشيخ قاعد وخيش مرسل على باب ، فقال أبو حفص : فوضعت البطيخ وصرفت الذي حمله ، ثم قلت للشيخ : أخبرني عن أمر هذا البطيخ ، فقال : وراء هذه الخيشة صبيان وبنات سألوني البطيخ منذ مدة ولم تسامحني نفسي أن أسأل اللّه تعالى لهم في ذلك ، ثم وجدت البارحة مسامحة أن أسأل اللّه تعالى فسألته وعلمت إجابة الدعاء بوجود المسامحة بالسؤال ، فلما وقفت على الباب علمت ما معك .
السادس : الإيثار بالحقوق إذا تضمن ذلك الإيثار مصلحة راجحة لا مانع منها ، خاصة كانت أو عامة ، فمما تضمن مصلحة راجحة عامة : ما فعله سيدي وابن سيدي أمير المؤمنين الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنهما - حيث ترك الخلافة لمعاوية حقنا لدماء المسلمين . فقد تضمن هذا الإيثار حفظ مهج « 2 » لا يحصيهم إلا اللّه تعالى ، وقد صرح بذلك الحسن رضي اللّه عنه ، فإنّه لمّا سأله معاوية أن يعلم الناس بتسليم الأمر إليه ، قام على المنبر وقال بعد أن خطب : إنّ اللّه قد هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا ، وظهرت المعجزة النبوية حيث قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إنّ ابني هذا سيد يصلح اللّه به بين فئتين عظيمتين من
هامش
( 1 ) أبو حفص النيسابوري : عمرو بن سلمة ( 000 - 270 ه ) من أهل قرية يقال لها : كوردآباذ على باب مدينة نيسابور إذا خرجت إلى بخارى . « طبقات الصوفية » ( 115 ) .
( 2 ) مهج : المهجة : الدم ، وقيل : دم القلب خاصة . وخرجت مهجته : أي روحه . « مختار الصحاح » ( 637 ) .