بذلك ، فأذن له ، ثم إنّ الأستاذ أبا حفص شهد مجلسه من حيث لا يشعر ، فلما قضى أبو عثمان كلامه قام سائل فسبق أبو عثمان فأعطاه ثوبا كان عليه ، فقال الأستاذ : ما وفيت بقولك ، فإياك أن تتكلم على الناس وفيك هذا الشره ، فقال أبو عثمان : وما ذاك يا أستاذ ؟ فقال : أما كان فيك من النصيحة لهم والشفقة عليهم أن تؤثرهم على نفسك بثواب السبق ثم تتلوهم ، فطالبه بتحقيق الصدق واستواء السريرة والعلانية لتحقيق قوله بفعله ، فلمّا لم ير منه الوفاء بذلك نهاه عن الكلام على الناس .
وهذا الذي قاله الأستاذ أبو حفص - رضي اللّه عنه - يرجع في الحقيقة إلى ما قصده الإمام أبو الحسن السري - رضي اللّه عنه - حيث أراد أن يكون حظ ذلك الرجل أكبر ، فقد اتفقا على مشرب واحد بين النصيحة للمسلمين والشفقة عليهم ، إذ كل واحد منهما أراد أن يكون حظ أخيه المسلم من الآخر أكثر وأوفر وهذا بمجرده قصد جليل جميل كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى .
واعلم أنّ مطلق السبق بالقربة لا تقتضي الرجحان على المسبوق ، لاحتمال أن يأتي المسبوق بمرجح آخر ينغمر فيه ذلك السبق ، اللهم إلا إذا تساوى الفعلان من كل وجه وكان أحدهما أسبق ، فمن هنا يحصل الرجحان للسابق لحيازته فضيلة السبق واللّه أعلم .
الثاني عشر : الإيثار بالصف الأول من الصلاة وهو خلاف الأولى ، أطلق الأصحاب ذلك ، ويحتمل أن يقال : إن كان المؤثر هو الفاضل فإيثاره خلاف الأولى وقد ينتهي إلى الكراهة ، وإن كان المؤثر هو المفضول فلا يكون إيثاره خلاف الأولى .
ويستدل على ذلك بما فعله أبو أيوب الأنصاري - رضي اللّه عنه - مع ابن أبي مليكة ، قال ابن أبي مليكة : كنت في الصلاة في الصف الأول ، فلم أشعر إلا وشخص من ورائي قد اقتلعني من مكاني وأخرجني منه وثبت فيه ، فلما فرغت من الصلاة نظرت فإذا هو أبو أيوب الأنصاري رضي اللّه عنه ، فقال : لا يسؤك
الكواكب الدرية على الحدائق الوردية في أجلاء السادة النقشبندية — صفحة 180
مساهمون: الشيخ عبد المجيد الخاني النقشبندي
ص١٨٠