فمن ذلك النفر الثلاثة الذين ماتوا عطشا في واقعة اليرموك في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - سنة خمس عشرة ، وهي أنّ بعض الصحابة رضي اللّه عنهم قال : انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ومعي شربة ماء ، وأنا أقول : إن كان فيه رمق سقيته ومسحت به وجهه ، فإذا أنا به فقلت : أتشرب ؟ فأشار إليّ أن نعم ، فإذا رجل يقول : آه العطش ! آه العطش ، فأشار إليّ ابن عمي أن اسقه ، فإذا هو هشام بن العاص ، فمضيت إليه وقلت له :
أتشرب ؟ فأشار إليّ أن نعم ، فسمع هشام شخصا يقول : آه العطش ، فأشار إليّ أن اسقه ، فانتهيت إليه لأسقيه فإذا هو قد مات ، ثم رجعت إلى هشام فإذا به قد مات ، ثم رجعت إلى ابن عمي فإذا به قد مات ، فتعجبت من هذا الإيثار مع شدة الاضطرار .
ومن ذلك ما حكاه الإمام أبو القاسم الكلاباذي - قدس اللّه سره - قال :
سمعت بعض الفقراء يقول : كنت سنة الهرير مع الناس ، فانقلبت ثم رجعت ، وكنت أطوف بين الجرحى ، فرأيت أبا محمد الجريري « 1 » - رضي اللّه عنه - وكان قد نيف على المائة ، فقلت : يا شيخ ! ألا تدعو فيكشف ما ترى ! فقال :
قد دعوت ، فقال سبحانه وتعالى : إني فعّال لما أشاء ، فأعدت عليه فقال :
يا أخي ! ليس هذا وقت الدعاء ! هذا وقت الرضا والتسليم ، فقلت : هل لك من حاجة ؟ فقال : أنا عطشان ، فجئت بماء فأخذه وأراد أن يشرب ، فنظر إلى قوم ينظرون إلى الماء ، فقال : هؤلاء عطاش وأنا أشرب ، لا ، هذا شره ، فردّه علي ومات من ساعته رضي اللّه عنه .
ومن ذلك واقعة إبراهيم التيمي « 2 » - رضي اللّه عنه - مع الحجاج لما طلب
هامش
( 1 ) أحمد بن محمد بن الحسين ( 000 - 311 ه ) الجريري : من كبار أصحاب الجنيد ، وصحب أيضا سهلا التستري ، وهو من علماء مشايخ القوم . أقعد بعد الجنيد في مجلسه ، لتمام حاله ، وصحة علمه . « طبقات الصوفية » ( 259 ) .
( 2 ) إبراهيم بن يزيد التيمي : يروي عن عمر وأبي ذر والكبار ، كان شابا صالحا قانتا للّه عالما فقيها كبير القدر واعظا . يقال : قتله الحجاج . وقيل : بل مات في حبسه سنة ( 92 ) . وقيل : ( 94 ) . -