وقال : أقوى الناس من ملك غضبه .
ويحكى أنّه قال : منذ ثلاثين سنة وأنا في الاستغفار من قولي مرة : الحمد للّه ، قيل له : وكيف ذلك ؟ قال : وقع ببغداد حريق فاستقبلني واحد وقال : نجا حانوتك ، فقلت : الحمد للّه ! فأنا نادم من ذلك الوقت على ما قلت ، حيث أردت لنفسي خيرا من الناس .
ونقل عن أحمد بن عمرو أنّه قال : خرجت مع السري يوم العيد من المسجد ، فلقي رجلا جليلا فسلّم عليه سلاما ناقصا ، فقلت له : إنّ هذا فلان ، قال : قد عرفته ، قلت : فلم نقصته في السلام ، قال : لأنّه يروى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنّه قال : « إذا التقى المسلمان قسمت بينهما مائة رحمة تسعون لأبشهما بصاحبه » « 1 » فأردت أن يكون معه الأكثر .
قال في « مجمع الأحباب » : اعلم أنّ هذا فضل جليل جميل منشؤه الورع ، وقد تضمن القربة ومطلق الإيثار بها ولا بأس ببيانهما ، أما القربة فهي كل عبادة لا يراد بها إلا اللّه عزّ وجلّ وابتغاء رضوانه ، وأما مطلق الإيثار بالقربة فتارة تكون للنفس ، وتارة تكون للغير ، وكل منهما يقع على أنواع .
الأول : الإيثار بالأنفس والأرواح والأموال ، كما فعل الصحابة من المهاجرين والأنصار في بذلهم أنفسهم وأرواحهم في الجهاد في سبيل اللّه عزّ وجلّ لتكون كلمة اللّه هي العليا ، فأقام اللّه بهم هذا الدين ، واختارهم لصحبة سيد المرسلين ، صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين .
وقد تضمنت أقوالهم مع قصدهم له كل القصد أيضا فداء النبي صلّى اللّه عليه وسلم ونصره ، فيا حبذا الفداء وما أعظم هذه السعادة ، وما أكبر هذه السيادة التي امتازوا بها عن سائر الأمّة ، فإنّها سعادة ليس فوقها سعادة بالنسبة للمؤمنين ، فإنّ كلّ من جاء بعدهم من المؤمنين في ميزانهم ، فالسعادة التي حصلت لهم برسول اللّه
هامش
( 1 ) حديث « إذا التقى المسلمان » : أخرجه الحكيم ، وأبو الشيخ عن عمر . « كنز العمال » ( 9 / 25245 ) .