يا سري ! معي دراهم من لقطة النوى ، إذا أنا متّ فجهزني بها ، ولا تعلم أهلي لئلا يغيروا كفني بغيره من مالهم ، فجلست عنده قليلا ففتح عينيه ، وقال :
لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ
[ الصافات : 61 ] . ثم مات رحمه اللّه فجهزته بتلك الدراهم ، فرأيت النّاس يهرعون ، فقلت : ما الخبر ؟ فقالوا : مات وليّ من أولياء اللّه نريد أن نصلي عليه فصلينا عليه ودفناه ، فلمّا كان بعد مدة أرسل أهله يستعلمون خبره ، فأخبرتهم بموته ، فأقبلت امرأته باكية فأخبرتها بحاله ، فسألتني أن أريها قبره ، فقلت : أخاف أن تغيروا أكفانه ، قالت : لا واللّه ، فأريتها القبر فبكت ، وأمرت بإحضار شاهدين ، وأعتقت جميع الرقيق من الرجال والنساء ، ووقفت جميع عقارها وتصدّقت بمال كثير ، ولزمت عبادة اللّه تعالى إلى أن ماتت رحمها اللّه تعالى .
وقال رضي اللّه عنه : اتق الإخوان ولا تأمنهم على سرك ، واحذر إخوان السوء ، واتهم صديقك كما تتهم عدوك .
قلت : وما أحسن ما قيل من هذا القبيل :
احذر عدوّك مرّة * واحذر صديقك ألف مرّه
فلربما انقلب الصديق * فكان أعرف بالمضرّه
وقال رضي اللّه عنه : خرجنا يوما من مكة نريد بعض المواطن ، فلما أصحرنا رأيت في مجرى السيل باقة بقل ، فمددت يدي فأخذتها ، وقلت :
الحمد للّه رب العالمين ، ورجوت أن تكون حلالا ليس لمخلوق فيها منة ، فقال لي بعض من رآني : يا أبا الحسن ! التفت ، فالتفتّ فإذا مثل الباقة كثير ، فقال :
خذ هذا ، فقلت : الباقة الأولى ليست لأحد فيها منّة ، وهذا بدلالتك فيه منة .
وقال علي بن عبد الحميد الغضائري : دققت الباب على السري ، فسمعته من وراء الباب وهو يقول : اللهم أشغل من شغلني عنك بك . فكان من بركة دعائه أنّي حججت أربعين حجة من حلب ماشيا ذاهبا وآئبا .
وقال : خير الرزق ما سلم من الآثام في الاكتساب والمذلة والخضوع ، وكان سليما من الغش في الصناعة ، ومعاملة الظلمة .