القلوب ، وتزين للّه تعالى بالصدق ، وتحبب إليه بمحبة تعجيل الانتقال ، وإياك والتسويف ، ونافس الأبرار في إقامة الفرض ، ونافس المقربين في إخلاص النوافل ، وترك فضول الحلال ، واطلب حلاوة المناجاة بفراغ القلب وجمع الهمّ ، واستجلب زيادة النعم بكثرة الشكر .
وقال رضي اللّه عنه : استوصيت بشر بن الحارث « 1 » بوصية ، فقال : أخاف أن أوصيك بوصية يكون وبالها عليّ وعليك ، فقلت : عليّ ذلك ، فقال : انظر بأيّ بدن توافي القيامة ، وانظر من يحاسبك ، وبين يدي من تقف ، واعلم أنك مسؤول لا محالة ، فأعدّ للسؤال جوابا ، وللجواب صوابا ، والزم بيتك ، وحاسب نفسك ، فإذا قدمت القيامة تقول : يا رب ! ما زلت ملازما لبيتي ، محاسبا لنفسي ، فيقول اللّه عزّ وجلّ : صدقت ، ثم قال : هيهات أنّى يقول صدقت إلا للصديقين ، وانظر كل خطرة تخطر ببالك تستحيي منها أن يعلم بها جليسك فاللّه عزّ وجلّ أحق وأحرى أن يستحيا منه .
وقال الجنيد : كنت أسمع السري يقول : يبلغ العبد من الهيبة والأنس إلى حدّ لو ضرب وجهه بالسيف لم يشعر . وكان في قلبي منه شيء حتى بان لي الأمر كذلك ، وذلك لأنّ الهيبة والأنس حالتان فوق القبض والبسط ، والقبض والبسط فوق الخوف والرجاء ، فالهيبة مقتضاها الغيبة والدهشة ، فكل هائب غائب حتى لو قطّع قطعا لم يحضر من غيبته إلا بزوال الهيبة عنه ، والأنس مقتضاه الصحو والإفاقة . ثم إنّهم يتفاوتون في الهيبة والأنس ؛ وقيل : أدنى مرتبة في الأنس أنّه لو ألقي في النار ما تكدّر أنسه ، ألا ترى إلى قول السري :
يبلغ العبد من الهيبة والأنس إلى حدّ لو ضرب وجهه بالسيف لم يشعر ؛ وذلك لأنّ الأنس يتولد من السرور باللّه ، ومن صحّ له الأنس باللّه تعالى استوحش مما سواه .
هامش
( 1 ) بشر بن الحارث بن علي ( 150 - 227 ه ) أبو نصر ، المعروف بالحافي : من كبار الصالحين . له في الزهد والورع أخبار ، وهو من ثقات رجال الحديث ، من أهل مرو ، سكن بغداد وتوفي فيها . « الأعلام » ( 2 / 54 ) .