حتّى أنال وأحظى * بما اتكلت عليه
قال السري : ثم غابت عنا ، فلما كان في بعض السنين حججت أنا ومولاها ، فبينا نحن في الطواف مع جماعة إذ سمعت صوتا حزينا من امرأة تنادي بالبكاء : يا سيدي ! فلما رأتنا أنشدت :
محبّ اللّه في الدّنيا سقيم * تطاول سقمه فدواه داه
يهيم بحبّه شوقا إليه * فليس يريد محبوبا سواه
كذلك كلّ من يدعى محبّا * يهيم بحبّه حتى يراه
ثم سقطت مغشيّا عليها ، فلما أفاقت أنشدت :
أموت وما ماتت لديك صبابتي * ولا رويت من فرط حبّك أوطاري « 1 »
مناي المنى كلّ المنى أنت لي المنى * وموضع أشواقي ومكنون أسراري
ألست دليل القوم إن هم تحيّروا * ومنقذ من أشفى على جرف هار « 2 »
فتقدمت إليها فإذا هي تحفة ، فقلت لها : ما وهبك اللّه بانقطاعك عن الخلق ؟ فقالت : آنسني بقربه ، وأوحشني من خلقه ، فقلت : يا تحفة ! إنّ ابن المثنى قد مات ، فقالت : رحمه اللّه وغفر له ، إنّي لأرجو له من اللّه تعالى كلّ خير ونعيم وزلفى ، وسيجزيه اللّه عزّ وجلّ بكلّ درهم أنفقه في سبيل اللّه سبعمائة ضعف إلى أضعاف مضاعفة ، ثم قالت : إلهي وسيدي ومولاي ! أسألك بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تقبضني إليك ، إلى كم أبقى في دار الدنيا محزونة ؟ إلهي قد طال شوقي إليك فعجّل ربي قبض روحي إليك ، يا أرحم الراحمين ! ومجيب دعوة المضطرين ، ثم استقبلت القبلة وتشهّدت فماتت رحمها اللّه تعالى ؛ فما أعظم بركة هذه الجارية على الجميع .
وقال رضي اللّه عنه : لو أحسست بإنسان يريد أن يدخل عليّ فقلت بلحيتي
هامش
( 1 ) أوطاري : جمع وطر : وهي الحاجة . « القاموس المحيط » ( وطر ) .
( 2 ) أشفى : أشرف على الشيء . « لسان العرب » ( شفي ) .