خاطبني الحقّ من جناني * فكان وعظي على لساني
قرّبني منه بعد بعد * وخصّني منه واصطفاني
أجبت لمّا دعيت طوعا * ملبيا داعيا دعاني
فقلت لمولاها : أطلق سبيلها وعليّ خمسمائة دينار ، أدفعها لك في غد إن شاء اللّه تعالى ، فقال : تكون مقيمة في موضعها هذا حتى تحضر المال أو تفيق من الجنون ، قال السري : فانصرفت وأنا باكي العين حزين القلب على الجارية ، فلما كان جوف الليل وإذا بالباب يطرق ، فخرجت فوجدت خمسة من الرجال ، فقلت : ما حاجتكم ؟ فقال أحدهم : أخ في اللّه تعالى جاء لسبب من الأسباب ، بإذن الملك الوهّاب ، ففتحت ، فقال : أتأذن في الدخول ؟ فقلت : نعم ! فدخل ومن معه وعلى أكتافهم أربع بدر « 1 » دنانير ، وبيد الغلام شمعة ، فقال : أتعرفني ؟
قلت : لا ! قال : أنا أحمد بن المثنى ، بينا أنا نائم وإذا هاتف يقول : يا ابن المثنى ! هل لك في معاملة المولى جلّ جلاله ؟ فقلت : يا فرحي إن كنت للرّق أصلح ، فقال : احمل من مالك أربع بدر إلى سري السقطي يشتري بها تحفة فإنّ لنا بها عناية ، وقد جعلناها من أهل الولاية ، وأعلم مولاها أنّ اللّه سيفتح عليه من حيث لا يحتسب ، فقمت وسارعت إلى ما أمرت ، وهذا المال قد جئت به ، قال السري : فسجدت شكرا للّه تعالى على هذه النعمة الجديدة ، ولم يزل إلى أن طلع الفجر ، فلما صلينا الصبح أتينا المارستان ، وإذا قيّم المارستان على الباب ، فلما رآني قال : جئت من أجل تحفة ؟ قلت : نعم ، وحكيت له ما قال ابن المثنى من كلام الهاتف ، ثم دخلنا المارستان ومعنا القيّم ، فلما رأتنا تغرغرت « 2 » عيناها بالدموع ، وأنشدت تقول :
قد تصبّرت إلى أن * عيل في حبّك صبري
ليس يخفى عنك أمري * يا منى قصدي وذخري
هامش
( 1 ) بدر : جمع بدرة وهي كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم أو سبعة آلاف دينار . « القاموس المحيط » ( بدر ) .
( 2 ) في المخطوط : تغرغت .