أترى تعتق رقّي * أو تفكّ اليوم أسري
فبينا نحن جلوس وأنا أقول لها : قد أجيبت الدّعوة ، إذ دخل مولاها حزينا متغيّر اللون باكيا ، فقلت : لا تبك قد فرّج اللّه عزّ وجلّ ، وقد حصل المال مثل ما أردت ، وإذا طلبت ربحا أعطيناك ، ولو أنّه خمسة آلاف دينار ، فقال : واللّه لا فعلت ولو كان ملء الأرض ذهبا وفضة ، فقلت : يا فتى ! ما هكذا كان كلامك بالأمس ، فقال : هيهات يا سيدي ! لو تعلم ما جرى عليّ من التوبيخ البارحة وما هتف بي الهاتف ، اعلموا أنّ هذه الجارية حرّة لوجه اللّه تعالى ، وجميع ما أملكه صدقة للّه تعالى ، فالتفتّ فإذا ابن المثنى يبكي بكاء شديدا ، فقلت له : ما يبكيك ؟ فقال : إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يرضني ، فقلت له : قد وقع الأجر ، وحصلت النيّة ، ونيّة المرء خير من عمله ، ولم أزل أسكّنه حتى سكن ما به ، ثم قال لي : يا سري هذا المال خرجت عنه للّه عزّ وجلّ ، ولا سبيل إلى الرجوع به ، وإنما هو وباقي مالي صدقة ، وكل ريع « 1 » لي فهو حبس في سبيل اللّه تعالى ، وكل مملوك لي فهو حرّ للّه تعالى ، وأنا هارب إلى اللّه تعالى ، تائب إليه من جميع ذنوبي ، فقامت الجارية فنزعت ما كان عليها ولبست مدرعة « 2 » من الشعر وخمارا من الصوف ، وقامت تمشي معنا وهي تبكي ، وتقول :
يا سرور القلوب أنت سروري * ووصالي وأنت نور النّور
كم ترى يصبر المحبّ عن ألح * بّ وكم يلبث الهوى في الصدور
ثم قالت : وأطول حزناه ، ثم فارقتنا ومضت وهي تقول :
بكيت منه عليه * هربت منه إليه « 3 »
وحقّه وهو سؤلي * لا زلت بين يديه
هامش
( 1 ) ريع - بكسر الراء - : المرتفع من الأرض ، وقيل : الجبل . « مختار الصحاح » ( 266 ) .
( 2 ) مدرعة : ضرب من الثياب التي تلبس ، ولا تكون إلا من الصوف خاصة . « لسان العرب » ( درع ) .
( 3 ) قوله ( هربت منه إليه ) : ومن هذا قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « وأعوذ بك منك » . وقوله : « لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك » . ( ع ) .