تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكواكب الدرية على الحدائق الوردية في أجلاء السادة النقشبندية — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
فلما سمعت ذلك منها أقلقني وأبكاني ، فلما رأتني على تلك الحالة ، قالت : يا سري ! هذا بكاؤك على ذكر صفته فكيف لو عرفته حقّ معرفته ، ثم بكت وأنشدت :
ألبستني ثوب وجد طاب ملبسه * فأنت مولى الورى حقا ومولائي كانت بقلبي أهواء مفرّقة * فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي فصار يحسدني من كنت أحسده * وصرت مولى الورى إذ صرت مولائي تركت للناس دنياهم ودينهم * شغلا بحبك يا ديني ودنيائي من غصّ داوى بشرب الماء غصّته * فكيف يصنع من قد غصّ بالماء والشوق في خاطري مني وفي كبدي * والحبّ مني مقيم بين أحشائي
قلت : يا جارية ! قالت : لبيك يا سري ، قلت : ومن أين عرفت اسمي ، وما رأيتك قبل هذا ؟ فقالت : عرّف بيني وبينك علّام الغيوب ، قلت لها : ومن حبسك ؟ وما سبب حبسك ، وأنت على هذه المعرفة ، والإخلاص في الحب ؟ قالت : يا سري ! زعموا أني مجنونة وهم أولى باسم الجنون مني ، ثم بكت طويلا ، ثم قلت لها : ما اسمك ؟ قالت : تحفة ، فقلت لقيّم المارستان : حلّ عنها قيدها ، وانزع الغلّ من عنقها ففعل ، ثم تحادثنا ساعة وإذا مولاها قد أقبل ، فلما رآني سلّم عليّ وأعظمني ، فقلت له : يا فتى ! إنها بالإعظام أولى منّي ، فما الذي تنكر من هذه الجارية ؟ قال : كثرة بكائها وأنينها ، وهي ذاهلة العقل طول ليلها ، قائمة لا تنام ولا تدعنا ننام ، وهي واللّه بضاعتي شريتها بخمسمائة دينار لحسن صنعتها ، قلت : ما صنعتها ، قال : عوّادة تضرب بالعود ، قلت : سبب ذلك ، قال : بينا هي تغني وعودها في حجرها وهي تقول :
ملأت جوانحي والقلب وجدا * فكيف أقرّ أو أسلى وأهدا وحقّك لا نقضت الدّهر عهدا * ولا كدّرت بعد الصّفو وردا فيا من ليس لي مولى سواه * تراك رضيتني في الناس عبدا
إذ رمت العود فكسرته ، فهذا كان سبب جنونها ، فلما سمعت الجارية ذلك أنشدت :