سنة أن لا يأكلوا بأديانهم ، أفتراني اليوم آكل بديني ، ثمّ ردّه ولم يأخذ منه شيئا .
[ قصة تحفة الجارية ]
وقال رضي اللّه عنه : أرقت ذات ليلة فلم أطق القميص مع خدمته من التهجد وكثرة التفكر ، فلما صلّيت الفجر خرجت لا يقرّ لي قرار ، فقلت :
أمضي لبعض الوعّاظ لعلّي أجد لقلبي راحة ، فلما وقفت عليه وجدت قلبي لا يزداد إلّا قساوة ، فقلت : أمضي إلى الشرطة لعلّي أعتبر بمن يعاقب في الدنيا ، فلما مضيت وجدت قلبي على حاله ، فقلت : أمضي إلى المارستان لعلّي أعتبر بمن قد ابتلي ، فلما دخلت المارستان وجدت قلبي قد انفتح وارتاح ، فرأيت جارية جالسة على سرير ، من أحسن الناس وجها ، وعليها أطمار حسنة ، وشممت منها رائحة طيبة وهي غضيضة النظر ، مقيدة الرجلين مغلولة اليدين ، فلما رأتني تغرغرت « 1 » عيناها بالدموع وأنشدت :
أعيذك أن تغلّ يدي * بغير جريمة سبقت
تغلّ يدي إلى عنقي * ولا خانت ولا سرقت
وبين جوانحي كبد * أحسّ بها قد احترقت
فلو قطّعتها قطعا * وحقك عنك ما برحت « 2 »
قال السري : فلما سمعت كلامها قلت للقيم : ما هذه الجارية ؟ فقال :
جارية مجنونة حبسها مولاها لكي تصحو ، قال : فأردت الدنو منها ، فقال لي القيم : لا تقرب منها فإنّ الذي بها عظيم ، فلما سمعت كلام القيم تغرغرت « 1 » عيناها بالدموع وأنشدت :
معشر النّاس ما جننت ولكن * أنا سكرانة وقلبي صاحي
أنا مجنونة بحبّ حبيب * لست أبغي عن بابه من براح
وصلاحي الذي رأيتم فسادي * وفسادي الذي رأيتم صلاحي
ما على من أحبّ مولى الموالي * وارتضاه لنفسه من جناح
هامش
( 1 ) في المخطوط في الموضعين : تغرغت .
( 2 ) على هامش المخطوط : لعله ما افترقت .