وكان عاملا على كتمان أسرار اللّه في العالم ، كما أشار إليه بقوله :
يا ربّ جوهر « 1 » علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولا ستحلّ رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا
ومن مبالغات حلمه : أنّه خرج يوما من المسجد فلقيه رجل فسبه وبالغ وأفرط ، فبادر إليه العبيد والموالي فكفّهم ، وأقبل عليه ، فقال : ما ستر عنك من أمرنا أكثر ، ألك حاجة نعينك ؟ فاستحى الرجل ، فألقى له خميصة ، وأمر له بخمسة آلاف درهم ، فقال : أشهد أنك من أولاد المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم .
ولقيه رجل فسبه ، فقال : يا هذا بيني وبين جهنم عقبة ! إن أنا جزتها فما أنا أبالي بما قلت ، وإن لم أجزها فأنا أكثر مما تقول ، ألك حاجة ؟ فخجل .
وسبه رجل فقال له : ما لا تعرفه مني أكثر مما تعرفه ، فإن كان لك حاجة فاذكرها .
قال في « مجمع الأحباب » : وكان عنده ضيف ، فاستعجل الخادم في الشواء الذي كان في التنور ، فأقبل به مسرعا فسقط السفود « 2 » من يده على ابن له صغير في أسفل الدرجة فأصاب رأسه فقتله ، فقال عليّ للغلام الذي قتله : أنت حر لوجه اللّه عزّ وجلّ فإنّك لم تتعمده ، وأخذ في جهاز ابنه .
[ قصيدة الفرزدق ]
وحج هشام بن عبد الملك قبل أن يلي الخلافة فاجتهد أن يستلم الحجر الأسود فلم يمكنه ، وجاء عليّ بن الحسين فوقف له الناس ، وتنحوا حتى استلم ، فقال الناس لهشام : من هذا ؟ فقال : لا أعرفه ، فقال له الفرزدق : لكني أعرفه ، هذا عليّ بن الحسين وأنشد :
هذا ابن خير عباد اللّه كلّهم * هذا التقيّ النقيّ الطاهر العلم
هامش
( 1 ) هذا من العلم الذي قال فيه أبو هريرة رضي اللّه عنه : « ورثت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وعاءين من العلم أما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم » أخرجه البخاري في « صحيحه » كتاب العلم ( ع ) .
( 2 ) السّفّود : بوزن التّنّور : الحديدة التي يشوى بها اللحم . « مختار » ( 300 ) .