فأقبل عليّ - رضي اللّه عنه - بيده مخففة وهو يوقظ الناس للصلاة ، ويقول : أيها الناس ! الصلاة ، الصلاة ، فمرّ بابن ملجم وهو يردد هذه الآية ، فظن علي أنه ينسى فيها ، ففتح عليّ فقال :
وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ *
ثم انصرف عليّ وهو يريد أن يدخل الدار فاتبعه فضربه على قرنه ، ووقع السيف في الجدار فأطار فدرة « 1 » من آخره فابتدره الناس فأخذوه ووقع السيف منه ، فجعل يقول : أيها الناس ! احذروا السيف فإنه مسموم . قال : فأتي به علي . فقال : احبسوه ثلاثا وأطعموه واسقوه ، فإن أعش أرى فيه رأيي وإن أمت فاقتلوه ولا تمثلوا به ، فمات من تلك الضربة فأخذه عبد اللّه بن جعفر ، فقطع يديه ورجليه فلم يفزع ، ثم أراد قطع لسانه ففزع ، فقيل له : لم لم تفزع لقطع يديك ورجليك وفزعت لقطع لسانك ؟
قال إني أكره أن تمرّ بي ساعة لا أذكر اللّه فيها ثم قطعوا لسانه ، وضربوا عنقه .
وتوجه الخارجي الآخر إلى معاوية فلم يجد إليه سبيلا .
وتوجه الثالث إلى عمرو فوجده قد أغفل تلك الليلة فلم يخرج إلى الصلاة ، وقدم مكانه رجلا يقال له خارجة فضربه الخارجي بالسيف ، وهو يظنه عمرو بن العاص فقتله ، فأخذه الناس ، فقالوا : قتلت خارجة . قال : أوليس عمرا ؟ قالوا له : لا . قال : أردت عمرا ؟ وأراد اللّه خارجة .
قال في « مجمع الأحباب » : رأيت في بعض التصانيف أن أحد الفضلاء نظم قصيدة ذكر فيها جماعة من أعيان الإسلام فمنها :
وخضبت شيب عثمان دما وخطت * إلى الزبير ولم تستحي من عمر
وليتها إذ فدت عمرا بخارجة * فدت عليا بمن شاءت من البشر
وروينا أنه لما ضربه ابن ملجم ، قال : فزت ورب الكعبة ، قالوا : ولما فرغ عليّ من وصيته ، قال : السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ، ثم لم يتكلم إلا كلمة الشهادة لا إله إلا اللّه حتى توفي ودفن بالكوفة .
هامش
( 1 ) فدرة : قطعة . « لسان العرب » ( فدر ) .