دائما فوقف فقال سيف الدّولة : اقعد ، فقال له : حيث أنا أم حيث أنت ؟ فتخطي رقاب النّاس حتّى انتهى إلى مسند سيف الدّولة وزاحمه فيه حتّى أخّرجه عنه ، وكان على رأس سيف الدّولة مماليك ، وله معهم لسان خاصّ يكلّمهم به قلّ أن يعرفه أحد ، فقال لهم بذلك اللّسان انّ هذا الشّيخ قد أساء الأدب ، وانّى سائله عن أشياء إن لم يوف بها فاخرقوا به ، فقال له أبو نصر بذلك اللّسان : أيّها الأمير اصبر فانّ الأمور بعواقبها ، فعجب سيف الدّولة منه وقال له : أتحسن بهذا اللّسان فقال نعم أحسن أكثر من سبعين لسانا فعظم ذلك عنده .
ثمّ أخذ يتكلّم مع العلماء الحاضرين في المجلس في كلّ فنّ ، فلم يزل كلامه يعلو وكلامهم يسفل حتّى صمت الكلّ وبقي يتكلّم وحده ، ثمّ أخذوا يكتبون ما يقوله ، فصرفهم سيف الدّولة وخلابه ، فقال له : هل لك أن تأكل ؟ فقال لا فقال له هل لك أن تشرب ؟ فقال لا ، فقال له ، هل لك أن تسمع ؟ فقال : نعم ، فأمر سيف الدّولة باحضار القيان ، فحضر كلّ ماهر في هذه الصّناعة بأنواع الملاهي ، فلم يحرّك أحد فيه آلته إلّا وعابه أبو نصر وقال له : أخطأت فقال له سيف الدّولة : وهل تحسن في هذه الصّناعة شيئا قال : نعم ، ثمّ اخرج من وسطه خريطة ففتحها واخرج منها عيدانا وركبها ، ثمّ لعب بها ؛ فضحك منها كلّ من كان في المجلس ، ثمّ فكّها وركّبها غير تركيبها الأوّل ، وحرّكها فبكى كل من في المجلس ، ثم فكها وغيّر تركيبها وحرّكها فنام كل من في المجلس حتّى البوّاب ، فتركهم نيّاما وخرج ، ويحكى أنّ آلة الّتى تسمّى القانون من وضعه ، وهو أوّل من ركّبها هذا التّركيب ، وكان منفردا بنفسه لا يجالس النّاس ، وكان مدّة مقامه بدمشق لا يكون غالبا إلّا عند مجتمع ماء أو مشتبك رياض ، ويؤلّف هناك كتبه ، وينتابه المشتغلون عليه ؛ وكان أكثر تصانيفه في الرّقاع ولم يصنّف في الكراريس إلّا القليل ، فلذلك جاءت أكثر تصانيفه فصولا وتعاليق ، ويوجد بعضها ناقصا مبتورا وكان أزهد النّاس في الدّنيا لا يحتفل بأمر مكسب ولا مسكن وأجرى عليه سيف الدّولة في كلّ يوم من بيت المال أربعة دراهم ، وهو الّذى اقتصر
روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات — صفحة 323
مساهمون: السيد محمد باقر الخوانساري
ص٣٢٣