تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
ثمّ إنّه قفل راجعا إلى بغداد وأقرأ بها علوم الفلسفة ، وتناول جميع كتب أرسطاطاليس في المنطق ويقال انّه وجد « كتاب النفس » لارسطاطاليس وعليه مكتوب بخطّ أبى نصر الفارابي انّى قرأت هذا الكتاب مأتى مرّة . ونقل عنه انّه كان يقول : قرأت « السّماع الطّبيعىّ » لأرسطاطاليس الحكيم أربعين مرّة وأرى انّى محتاج إلى معاودة قراءته ، وروى عنه انّه سئل : من أعلم النّاس بهذا الشّان أنت أم أرسطاطاليس ؟ فقال : لو أدركته لكنت أكبر تلامذته . وذكره أبو القاسم بن صاعد القرطبىّ في كتاب « طبقات الحكماء » فقال : الفارابي فيلسوف المسلمين على الحقيقة ، أخذ صناعة المنطق عن يوحنّا بن خيلان المتوفّى ببغداد في أيّام المقتدر ، فبذ جميع أهل الإسلام وأربى عليهم في التّحقيق لها وشرح غامضها وكشف سرّها وقرب تناولها ، وجميع ما يحتاج إليه منها ، في كتب صحيحة العبارة لطيفة الإشارة ، منبّها على ما أعقله الكندىّ وغيره من صناعة التّحليل وأنحاء التّعاليم ، وأوضح القول فيها من موادّ المنطق الخمسة ، وأفاد وجوه الانتفاع بها وعرف طرق استعمالها ، وكيف تصرّف صورة القياس في كلّ مادّة منها فجاءت كتبه في ذلك الغاية الكافية والنّهاية الفاضلة ؛ ثمّ له بعد هذا كتاب شريف في إحصاء العلوم والتّعريف باغراضها لم يسبّق إليه ، ولا ذهب أحد مذهبه فيه ، ولا يستغنى طلّاب العلوم كلّها عن الاهتداء به انتهى كلام ابن صاعد ؛ وذكر بعد ذلك شيئا من تأليفه ومقاصده فيها ولم يزل أبو نصر ببغداد مكبّا على الاشتغال بهذا العلم إلى أن برز فيه وفاق أهل زمانه ، والّف بها معظم كتبه ، ثمّ سافر منها إلى دمشق ، ولم يقم بها ؛ ثمّ توجّه إلى مصر ، وقد ذكر في كتابه الموسوم ب « السياسة المدنيّة » أنّه إبتدأ بتأليفه في بغداد وأكمله بمصر ، ثمّ عاد إلى دمشق وأقام بها ، وسلطانها يومئذ سيف الدّولة بن حمدان فأحسن إليه . ورأيت في بعض المجاميع أنّ أبا نصر لمّا ورد على سيف الدّولة وكان مجلسه مجمع الفضلاء في جميع المعارف ، فادخل عليه وهو بزىّ الأتراك ، وكان ذلك زيّه