موسى إلى مأمون وأخبروه بما صنعوا ، وكان موافقا لما رآه في الكتب القديمة من استخراج الأوائل طلب تحقيق ذلك في موضع آخر ؛ فسيّرهم إلى أرض الكوفة وفعلوه كما فعلوا في سنجار ، فتوافق الحسابات فعلم المأمون صحّة ما جوّزه القدماء في ذلك انتهى « 1 »
ولا يخفى انّ كشف أمثال هذه العجائب من العلوم إنّما هو من بركات ملوك الدّنيا ؛ إذا عشقوا الكمال ، وحشروا مع العلماء دون الجهّال ، وأثروا بعلوّ منزلتهم ؛ وسمّو مرتبتهم ، مجالسة الأبطال ، على معاشرة البطّال ، وأهل اللعب بالنرد والشّطرنج والأربعة عشر وأمثال هذه الأعمال .
وقد قال شيخنا البهائي في كتابه « الكشكول » رأيت في الكتب انّ الشّطرنج إنّما وضعها الحكماء لملوك الرّوم والفرس ، لأنّهم لم يكن لهم علم ، وكانوا لا يطيلون الجلوس مع العلماء لجهلهم ، وإذا اجتمعوا مع أمثالهم كان كما لا يتلاحظ البصر ، فوضعوا لهم ذلك ليشتغلوا به ، وأمّا ملك اليونان وقدماء الفرس والرّوم فكان لكلّ منهم كعب عال في العلوم ؛ وكان لا يتفرّغون عنه لأمثال هذه الأمور الواهية ، فليلاحظ .
رجعنا إلى تتمّة حديث الصّولى قال ابن خلّكان المتقدّم حكى المسعودي في مروج الذّهب إنّ الإمام الرّاضى باللّه أتى في بعض متنزّهاته بستانا مونقا ؛ وزهرا رائقا ، فقال لمن حضره ممّن كان من ندمائه : هل رأيتم منظر أحسن من هذا ؛ فكلّ أنشأ وذهب فيه إلي مدحه ووصف محاسنه ، وإنّها لا يفي بها شئ من زهرات الدّنيا ، فقال الرّاضى :
لعب الصّولى بالشّطرنج أحسن ممّا تصفون « 2 » .
إلى أن قال : ونوادره وما جرياته أكثر من أن تحصى ، ومع فضائله
هامش
( 1 ) وفيات الأعيان 4 : 247 - 249
( 2 ) مروج الذهب 4 : 233