الشيطان ، فالتّفاوت في العمل إنّما جاء من جهة اختلافهم في الاختيار مع أنّ هذه النّعمة كانت مساوية بالنّسبة إلى الأبرار والفجّار ، مثل مساواة عطيّة سائر جوارح الخلائق : وعدم اعتراض فيها لأحد من الفرائق على إنعام الخالق ، فكما انّ إعطاء آلات المعصية لمعونة غيرها لا يوجب استناد عمل المذنب بها إلى المعطى لها ، بل العصيان بها كفران لنعمة المعطى ، ومجازاة لإحسانه بالإساءة ، فكذلك صرف العبد نعمة اقتداره على الخيرة لما يريد في معصيته ربّه الحميد المجيد ، فلو كان توهّم اعتراض هنا لكان في أصل إعطائه نعمة الاختيار ، وعدم الجائه إيّاه على اتّباع الخير واجتناب عمل أهل النّار .
وظاهر إنّ ذلك أيضا مناف للتّكليف ، ولغو بالنسبة إلى الأفعال البرّ اللّطيف ، بل المختاريّة في الإتيان بالمرادات ، والتمكّن من القيام بمقتضى الاستعدادات ، من أفاضل نعم اللّه الّتى لو كان يمنعها العقلاء من العباد ، لما أتم النّعمة عليهم في الايجاد وكانت الحجة لهم عليه في موقف يوم التّناد ، إلّا أن يرجع ذلك إلى تمنّى العبد عدم فوزه عن الرّأس بهذه النّعمة العميمة بعد فرض علم اللّه بانّها تصرّف في معصيته العظيمة ، فهو حينئذ بمنزلة تمنّى عدم قدومه من البدو وإلى عرضة الوجود ، كما يفعله العباد اللّاجئون الخائفون من سطوات المعبود .
وكأنّ إلى هذا المقام يشير كلام مولانا أبى جعفر الباقر عليه السّلام حيث قال فيما نقله بعض أعاظم حملة الآثار : لو كان لي الاختيار لم اخترت إلّا ان يكون لي الاختيار ؛ حيث إنّ هذا عين الاقرار ، بأنّ الاختيار الان في الاحسان والإساءة بأيدينا ، وإن كان أوّلا بتفضّل من اللّه سبحانه وتعالى أعطينا مضافا إلى انّ ذلك من الأمر المحسوس المسوس ، ولا يقابله بالإنكار إلّا من هو عقله مغلوب مخلوس ، أو من أهل الوسوسة والزيغ والمغالطة في النّفوس ، وإلى ظهور انّ عقول البشر لها حدّ محدود ، وقدر مقدور لا تتجاوز هنا في مقام المكاشفة للأمور ، مثل سائر المشاعر منه والآلات حيث إنّ
روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات — صفحة 289
مساهمون: السيد محمد باقر الخوانساري
ص٢٨٩