بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ
، وقوله من قبل ذلك
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
، وقوله تعالى :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
، وقوله :
إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ، وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ
، إلى غير ما ذكره من الأوحاء النّازلة على هذا السّياق ، والنّافية الظّلم واللّغو والعبث والتّكليف بما لا يطاق .
نعم بعض تلك الحكم والمصالح المرعيّة ظاهرة غير خفيّة ، وبعضها يظهر بالتّأمل والرّوية ، وهما يشهدان بأنّ ما لا ندركه منها أيضا ملحوظة في تفاريق أجزاء عوالم الإمكان ، ومنظورة في خليقة إلهنا القديم الإحسان » كما يشهد بتحقيق كلّ ما لا ندركه من لطائف تدبير الصنّاع استقراؤنا التام ، في قاطبه المدركات من ملل مالهم من الأوضاع ، فكيف لا يكون علّة تخصيص حضرة الحقّ سبحانه وتعالى ذلك المتوفّى الصغير ، بإماتته في حالة الصّغر ، وإبقاء الأخ الآخر الكافر ؛ إلى أن يهوي إلى أسفل الدّرك من قبيل ذلك القبيل الغير المدرك بعد ما علمنا في الجملة أنّه تعالى وتبارك لا يفعل إلّا الخير المحض ، ولا يعجز عن الإيجاد على الوجه الأصلح الأبرك .
وعلى ما ذكر فيمكن أن يقال في جواب أبى الحسن الأشعرىّ عن لسان هذا الجبّائى المعتزلىّ أن الصّغير المزبور لمّا كان قد ثبت في علم الحقّ ، أنّه لو بقي وأعطى الاختيار لفوض أمره في الخيرة إلى العزيز الجبّار ، فاختار له الموت في الصّغر إلهه العدل البارّ ، الّذى هو أحسن مستشار ، ليأمن شرور هذه الدّار ، ويلحق من غير جهد العمل بمقامات الأبرار ، ولكن لمّا كان علمه بحال الأخ الكافر على خلاف ذلك وبأنّه كان يختار طلبة نفسه في الأمور ، ويشترى الحياة الدّنيا الفانية بلذّات دار السّرور ، أعطاه من هذه الجهة مناه ، وتركه فيما يشتهيه ويهواه ، كما حقّق رجاء إبليس الملعون ، لمّا علم أنّه عدل عن الحقّ ورضى بالدّون ، فكلّ ما يفعل بالعبد هو اختيار نفسه ، وإن كان خلق الاختيار فيه من جهة ربّه إذ ليس خلق الاختيار فيه إلّا بمثابة سائر ما جعل فيه من الأركان ، والعاصي يصرفها في هوى النّفس ومتابعة