سأل أستاده أبا علىّ الجبّائى عن ثلاثة إخوة . أحدهم كان مؤمنا برّا تقيّا ، والثّاني كان كافرا فاسقا شقيّا ، والثّالث كان في المهد صبيّا صغيرا ، فماتوا فكيف حالهم ؟
فقال وأمّا الزّاهد ففي الدّرجات ، وأمّا الكافر ففي الدركات ، وأمّا الصّغير فمن أهل السّلامة ، فقال الأشعرىّ : إن أراد الصغير أن يذهب إلى الدّرجات هل يؤذن له ؟ فقال الجبّائىّ : لا ، لانّه يقال له : إنّ أخاك إنّما وصل إلى هذه الدّرجات بسبب طاعته الكثيرة وليس لك تلك الطّاعات ، فقال الاشعرىّ : فإن قال ذلك الصّغير : التّقصير ليس منّى ، فانّك ما أبقيتني ولا أقدرتنى على الطّاعة ، فقال الجبّائى يقول الباري جلّ وعلا : كنت أعلم أنّك لو بقيت لعصيت وصرت مستحقّا للعذاب الأليم ، فراعيت مصلحتك ، فقال الأشعرىّ : فلو قال الأخ الكافر : يا إله العالمين كما علمت حاله فلم راعيت مصلحته دونى ؟ فانقطع الجبّائى .
وهذه المناظرة دالّة على إنّ اللّه تعالى خصّ - برحمته من يشاء ، وخص آخر بعذابه وإنّ أفعاله غير معلّلة بشئ من الاعراض وكانت ولادة الجبّائى سنة خمس وثلاثين ومأتين ، وتوفّى في شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة انتهى « 1 » .
وكلّ ذي نظر إلى حكم اللّه البالغة الّتى لا تحصى ، في جميع ما التأم من أجزاء عالمه الأدنى والأقصى يعلم أنّه يلحظ في كلّ ذرّة غير ظاهرة منها أغراضا كثيرة ، فكيف بالظّاهرة منها ، والأشياء النّافعة الكبيرة ، بل تعالى ذاته الأقدس أن يكون أقلّ وانقص من أحد من صنّاع بريته في رعايته المصالح الكابرة الوافرة من الكامنة والظّاهرة في أحقر حقير من علمه وصنعته ، مع انّ الممكن بصفة عجزه وعيائه مفطور ، وفي ضعة وضعه وبنائه معذور ، ولازم طبيعة النّقص بالنّسبة إلى جميع الأمور ، كما أنّ الواجب لازم هويّته كمال الحسن ، وعدم القصور ، فليت شعري هل ما شعر الاشعرىّ المعتزل عن إدراك الحقائق بأنوار العقل المتين ، إن كان يحسب نفسه من أرباب الدّين ويكسب نبسه من قرآن مبين ، بقوله تعالى :
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَ
هامش
( 1 ) وفيات الأعيان .