هذا ومن جملة آثاره في الموعظة قوله : ازهد النّاس من لم يتجاوز رغبته من الدنيا بلغته قلت : وأرفع من هذا الكلام كلام الإمام زين العابدين عليه السّلام ، لمّا سئل عن حقيقة الزّاهد في الدّنيا انّه من يقنع بدون قوته ، ويستعدّ ليوم موته ، وأحسن ما قيل فيه كما قال بعض أفاضل أهل التنبيه كلام جدّه أمير المؤمنين عليه السّلام لو أنّ رجلا أخذ جميع ما في الأرض وأراد به وجه اللّه سمى زاهدا ولو أنّ رجلا ترك جميع ما في الأرض ولم يتركه للّه تعالى يسمّ زاهدا ولا كان في ذلك عابدا ، وكانّ إلى هذا ينظر قول بعض الأكابر : أزهد النّاس أكثرهم إخفاء لزهده . وروى انّ مالك بن دينار لقى راهبا ذاهبا في عباداته تاركا لدنياه ، فقال له : أوصني ، قال الرّاهب : ان استطعت أن يكون بينك وبين أهل الدّنيا حائط من حديدة فافعل ، قال زدني ويحك ، قال : أقل من معرفة النّاس ، قال زدني ويحك قال اقطع طمعك من المخلوقين تسكن ملكوت السّماء ، وروى أنه سألت بنت مالك بن دينار عنه ، فقالت يا أبت انّ النّاس ينامون مالك لا تنام ؟ فقال يا بنيّة إنّ أباك يخاف البيات وقالت امرأة لمالك بن دينار يا مرائي ، فقال يا هذه وجدت اسمى الّذى أضلّه أهل البصرة ، وروى الورّام بن أبي فراس عن زيد بن يحيى ، قال كنّا عند مالك ، بن دينار ففر بنا حليفة البهراني ، فسلم على مالك فقال له عظنا يا أبا عبد اللّه ، فقال يا أبا يحيى انّك واللّه إذا عرفت اللّه حقّ معرفته اغناك ذلك عن كلّ كلام وموعظة .
وحكى شيخنا البهائي قال جاء رجل إلى مالك بن دينار وإذا هو جالس ، وكلب قد وضع رأسه على ركبتيه ، قال فذهبت اطرده ، فقال دعه يا هذا هذا لا يضرّ ولا يؤذى وهو خير من جليس السّوء ، وقال صاحب « حياة الحيوان » قال بعض الحكماء كلّ إنسان مع شكله ، كما انّ كلّ طير مع جنسه ، وقد كان مالك بن دينار يقول لا يتفق اثنان في عشرة إلّا وبين أحدهما وصف من الآخر ، فانّ اشكال النّاس كاجناس الطّير ، ولا يتّفق نوعان منه في الطّيران إلّا لمناسبة بينهما ، فرأى واحد يوما حمامة مع غراب فتعجّب من اتّفاقهما وليسا من شكل واحد ، فلمّا مشيا فإذا هما أعرجان ، فقال من هيهنا اتّفقا ، وكلّ انسان يأنس إلى شكله ، كما انّ الطّير يألف إلى جنسه ، فإذا اصطحب اثنان برهة من الزّمان وليس بينهما مناسبة فلا بدّ ان يتفرّقا كما قال الشّاعر :
روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات — صفحة 231
مساهمون: السيد محمد باقر الخوانساري
ص٢٣١