لا يسمع أحد صوتي ، فاضرب بالطّبل وانفخ في البوق ؛ فيسمع أهل الدّرب ذلك ، فيجيئوني فيخلصونى منهم .
ثمّ إنّ من كلمات الجاحظ ومآثره المنقولة عنه في مطاوي الكتب : السّارق في السّفر والحضر خمسة : المحتال ، وصاحب اللّيل ، وصاحب الطّريق ، والنّباش ، والخناق . وصاحب اللّيل : هو النّقاب والمتسلق والمكابر وأشباههم ؛ وامّا الخناق فما واحد منهم الّا صاحب لعج ورضخ ، والرّضخ : إنّما يكون في الأسفار يصحب الرّجل المنفرد من الرّفقة ، ومعه حجران أملسان ملمومان قدر ملاء الكفّ فان قدر عليه ساجدا أو نائما وإلّا فقاعدا ، فيعمد إلى محدوقه وسماخه ولا يخطى وأكثرهم لا يرضى إلّا بالقتل مخافة المطالبة ، ومنها قوله بنقل الرّاغب الأصفهاني في كتاب « محاضراته » ما طالت لحية امرء الّا وتكوسج عقله .
هذا ومن جملة ما نقل عنه أيضا انّه قال : أردت الخروج إلى محمّد بن عبد الملك الزّيات وزير المعتصم ، ففكرت في شئ أهديه له فلم أجد شيئا أشرف من كتاب سيبويه فلمّا وصلت إليه قلت له : لم أجد شيئا أهديه لك مثل هذا الكتاب ، وقد اشتريته من ميراث الفرّاء ، فقال له الوزير أو ظننت انّ خزانتنا خالية من هذا الكتاب ، فقال الجاحظ ما ظننت ذلك ولكنّها بخطّ الفراء ؛ ومقابلة الكسائي ، وتهذيب عمرو بن بحر الجاحظ - يعنى نفسه - فقال : واللّه ما أهديت لي شيئا أحبّ الىّ منه .
وقال شيخنا البهائي رحمه اللّه في كتابه الكشكول كان الجاحظ قبيح الصّورة جدّا حتّى قال الشّاعر :
لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا * ما كان إلّا دون قبح الجاحظ
قال يوما لتلامذته ما اخجلنى إلّا امرأة أتت بي إلى باب صايغ ، فقالت : مثل هذا الشّيطان : فبقيت حائرا في كلامها ، فلمّا ذهبت سألت الصّائع فقال : استعملتنى أن أصنع لها صورة جنّى ، وفي رواية صورة الشّيطان ، فقلت : لا أدرى كيف صورته فأتت بك : أقول : وقد مرّ نظير هذه الحكاية وشبيه هذه الخجالة لبعض مشايخهم