تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
أن أراه قبل موته ، فأقول : قد رأيت الجاحظ ، ثم أذن لي ، فدخلت وسلمت عليه ، فرد ردّا جميلا وقال : من تكون اعزك اللّه ؟ فانتسبت له فقال رحم اللّه تعالى أسلافك وآبائك السّمحاء الأجواد ! فلقد كانت أيّامهم رياض الأزمنة ، ولقد انجبر بهم خلق كثير فسقيا لهم ورعيا ؛ فدعوت له ، وقلت : أنا أسألك أن تنشدنى من شعرك فأنشدني :
لئن قدمت قبلي رجال فطالما * مشيت على رسلي فكنت المقدّما ولكنّ هذا الدّهر تأتى صروفه * فتبرم منقوضا وتنقض مبرما
ثمّ نهضت ، فلمّا قاربت الدّهليز قال يا فتى أرأيت مفلوجا ينفعه الإهليلج ؟ فقلت : لا ، قال : فانّ الإهليلج الّذى معك ينفعني ، فابعث إلىّ منه ، فقلت : نعم ، وخرجت متعجّبا من وقوفه على خبري مع كتمانى له ، وبعثت له مائة إهليلجة . وقال أبو الحسن البرمكي : انشدني الجاحظ :
وكان لنا أصدقاء مضوا * تفانوا جميعا وما خلّدوا تساقوا جميعا كؤس المنون * فمات الصدّيق ومات العدوّ
وكانت وفاة الجاحظ في المحرّم سنة خمس وخمسين ومأتين ، بالبصرة ، وقد نيف على تسعين سنة « 1 » انتهى وقيل رؤى الجاحظ بعد موته في المنام فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ فقال شعرا :
فلا تكتب بخطّك غير شئ * يسرّك في القيامة لو تراه
وفي كتاب « الملل والنّحل » للشّهرستانى أنّ الجاحظ كان من فضلاء المعتزلة والمصنّف لهم قال : وقد طالع كثيرا من كتب الفلاسفة وخلّط وزوج بعبارته البليغة وحسن براعته اللّطيفة ، وكان في أيّام المعتصم والمتوكل وانفرد عن أصحابه بمسائل منها قوله : انّ المعارف كلّها ضرورية طباع ، وليس شئ من ذلك من أفعال العباد ، وليس للعباد كسب سوى الإرادة ومنها قوله في أهل النّار : انّهم لا يخلدون فيها عذابا بل يصيرون
هامش
( 1 ) - وفيات الأعيان 3 : 140 - 144