تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
« الحيوان » ، فلقد جمع فيه كلّ غريبة ، وكذلك كتاب « البيان والتبيين » وهي كبيرة مشهورة جدّا . وكان مع فضائله مشوّه الخلق ، وانّما قيل له الجاحظ لأنّ عينيه كانتا جاحظتين ؛ والجحوظ : النتوء وكان يقال له أيضا : « الحدقى » لذلك . ومن جملة أخباره أنّه قال : ذكرت للمتوكّل لتأديب بعض ولده ، فلمّا رآني استشبع منظرى فأمر بي بعشرة آلاف درهم وصرفنى . إلى أن قال : وكان الجاحظ اصابه الفالج في أواخر عمره ، فكان يطلى نصفه بالصندل والكافور لشدّة حرارته ، والنّصف الأيسر لو قرض بالمقاريض لما أحسّ به من خدره وشدّة برده . وكان يقول : أنا من جانبي الأيمن مفلوج ، فلو قرض بالمقاريض ما علمت ، ومن جانبي الأيسر منقرس فلو مرّ به الذباب لألمت ، وبي حصاة لا ينسرح لي البول معها ، وأشدّ ما على ستّ وتسعون سنة ، وكان يقول في مرضه اصطلحت على جسدي الاضداد فان اكلت باردا أخذ برجلي ، وإن أخذت حارّا أحذ برأسى ، وكان ينشد :
أترجو أن تكون وأنت شيخ * كما قد كنت أيام الشّباب لقد كذبت نفسك ليس ثوب * دريس كالجديد من الثياب
ثمّ إلى أن قال : وحكى بعض البرامكة قال : كنت تقلدت السند ، فأقمت بها ما شاء اللّه ، ثمّ اتصل بي انى صرفت عنها ، وكنت كسبت بهما ثلاثين ألف دينار ، فخشيت أن يفجأني الصارف فيسمع بمكان المال فيطمع فيه ، فصنعته عشرة آلاف إهليلجة في كل اهليلجة ثلاثة مثاقيل ، لم يمكث الصارف أن أتى ، فركبت البحر وانحدرت إلى البصرة ، فخبرت انّ الجاحظ بها وأنّه عليل بالفالج ، فأحببت أن أراه قبل وفاته ، فصرت إليه ، فافضيت إلى باب دار لطيف ، فقر عنه فخرجت إلىّ خادم صفراء فقالت : من أنت ؟ قلت : رجل غريب ، وأحب أن أسر بالنظر إلى الشيخ ، فبلغته الخادم ما قلت ، فسمعته يقول : قولي له وما تصنع بشق مائل ؛ ولعاب سائل ، ولون حائل ، فقلت للجارية : لا بدّ من الوصول إليه ، فلمّا بلغته قال : هذا رجل قد اجتاز بالبصرة وسمع بعلتى فقال : أحب