عند ذكره ليونس النّحوى المعمّر ، هو أبو عبد اللّه بن حبيب من أهل جبل بليدة على دجلة بين بغداد وواسط ، أخذ الأدب عن أبي عمرو بن العلا ، وحمّاد بن سلمة ، وكان النّحو أغلب عليه ؛ وسمع من العرب ، وروى عنه سيبويه كثيرا ، وسمع منه الكسائي والفراء ، إلى آخر ما ذكره ، وفي الحاشية المذكورة أيضا نقلا عن حرملة انّه قال : سمعت الشّافعى يقول : من أراد أن يتبحّر في النّحو ، فهو عيال على الكسانى .
وقال ابن الأنباري كان واحد النّاس في القراءات يكثرون عليه فيجمعهم ويجلس على كرسي ويتلو وهم يسمعون ويضبطون عنه حتى المقاطع والمبادى .
وقال الخطيب البغدادي فيما نقل عن تاريخه الكبير : تعلّم النّحو على كبر سنّه وسببه انّه قد جاء إلى قوم وقداعيى ؛ فقال قد عيّيت بالتّشديد بغير الهمزة ، فقالوا له تجالسنا وأنت تلحن ! قال : وكيف لحنت ؟ قالوا إن كنت أردت من انقطاع الحيلة ، فقل عييت مخفّفا وإن أردت من التعب فقل أعيت فأنف من هذه الكلمة ، وقام من فوره ، وسأل عن من يعلم النّحو ، فارشدوه إلى معاذ الهراء فلزمه حتّى أنفذ ما عنده ، ثمّ خرج إلى البصرة فلقى الخليل وجلس في حلقته ، فقال له رجل من الأعراب : تركت أسد الكوفة وتميمها وعندهما الفصاحة ، وجئت إلى البصرة ! فقال للخليل من أين أخذت علمك هذا ؟ فقال من بوادي الحجاز ، ونجد ، وتهامة ، فخرج ورجع وقد انفذ خمس عشرة قنينة حبرا في الكتابة عن العرب سوى ما حفظه فلم يكن همّه غير الخليل ، فقدّم البصرة فوجد الخليل قد مات ، وفي موضعه يونس ، فجرت بينهما مسائل أقرّ له فيها يونس وصدّره في موضعه انتهى « 1 » .
وقال صاحب « البغية » وقال ابن الأعرابي : كان الكسائي أعلم النّاس ، ضابطا عالما بالعربيّة ؛ قارئا صدوقا ، إلّا أنّه كان يديم شرب النبيذ ويأتي الغلمان ، وأدّب ولد الرّشيد ، وجرى بينه وبين أبى يوسف القاضي مجالس حكيناها في « الطبقات
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 11 : 404 .