ويستفاد من كتاب « تجارب السّلف » انّه كان في أوائل أمره مع جميع ما كان فيه من الفضائل معسرا شديد الفاقة والاحتياج ، فأتى باب الرّشيد ، وكان يحتال هناك لإدراك صحبته ، فلا يتيسّر له ، وكان بعض الخدم يعده إلى زمان الفرصة ؛ فاتّفق في ليلة أن غلب على الرّشيد السهر ، فخرج خادم يطلب من كان على باب الخليفة من الشّعراء لمسامرته فقال ذلك المصاحب له من الخدم : هذا هو الزّمن الّذى واعدتك ، فان دخلت ووقعت في قلب الخليفة استغنيت عن جميع الخلق ، فلمّا دخل وسلّم وعرف قدره ومنزلته جعل يسائله في بعض أبيات الشّعراء القديمة ، فيتمه الأصمعي إلى آخر القصيدة مع تفصيل من القول في ذلك ، وكان ينادمه بأحسن ما يريد إلى أن ظهرت تباشير الصّباح ، فقام الرّشيد وأمر له بثلاثين ألف درهم .
ثمّ ذهب إلى منزل الوزير وكأنّه يحيى البرمكي أم ولده جعفر ، فجلس معه أيضا سويعات اخر ، فاستحسنه أيضا مثل الرّشيد ، ثمّ أمر له بتسعة وعشرين ألف درهم ، وقال لولا حرمة الأمير لأمرت لك أيضا بثلاثين ، فأصبح وقد ملك ما ينيف على ستّين ألف درهم ، واستغنى عن الخلق في ليلة واحدة ، وأخذ في جمع الأموال وشراء المماليك والعقار ، وصار أمره يرتفع يوما فيوما ، ويشتهر صيته في الآفاق ، وكان صاحب اللّغة والأخبار ، وسمع من ابن عوف ، وقرة ، وشعبة ، وروى عنه أبو عبيد ، وأبو حاتم السّجستانى ، والرّياشى ، والصّنعانى وغيرهم ، كما ذكره تقى الدّين الشّمنى في حاشيته على « المغنى » .
وقال أيضا في موضع آخر من كتابه المذكور بشئ من التّقريب ، نقلت عن خطّ الشّيخ كمال الدين الدّميرى الشّافعى ، نقلا عن كتاب الخالديّين ، قال حدث عن أبيه عن أبي سالم قال : قال الأصمعي : لقيت صبيّا من الاعراب في بعض الفلوات ما أظنّه ناهز عشرين فجاورته ، فإذا هو من أفصح النّاس ، فقلت متعنّنا هل تقول الشّعر ؟ فقال وأبيك انّى لأقوله وأنا دون الفصال ! يعنى الفطام ، فأخرجت درهما وقلت امدحنى وخذه ، فقال من اىّ العرب أنت ؟ فقلت من باهلة فقال : سواه امدح باهليّا ، فقلت
روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات — صفحة 150
مساهمون: السيد محمد باقر الخوانساري
ص١٥٠