وقد سئل يوما عن أمر معاوية وما وضعوه من الرواية في فضائله . فقال : ما أعرف له فضلا إلّا : لا أشبع اللّه بطنك . قلت : وإنّما أراد بذلك القول ما نقله الفريقان : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أرسل يوما ليحضره في شأن . فقيل له : إنّه مشغول بالطعام . فأرسل إليه ثانيا . فأعيد عليه القول . ثمّ أرسل إليه . فقيل له : مثل الأوّلين . فتغيّر عند ذلك وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ودعى عليه بالقول المذكور ، ويمكن أن يكون الوجه في ذلك ما نقل أيضا عن أهل بيت العصمة عليهم السّلام : أنّ المؤمن يأكل في معاء واحد ، والمنافق يأكل في سبعة أمعاء ، ويشهد بكثرة أكله أيضا ما صدر منه على المنبر حين الخطبة . فخجل كثيرا وأخذ في الاعتذار عنه بما هو أنتن ممّا بدر منه - عامله اللّه بما يستحقّه - وفي رواية أنّه قال النسائي المذكور : أما رضى معاوية أن يكون رأسا برأس حتّى أن أزيد له حديث الفضيلة .
وبالجملة فما زال أهل دمشق يدفعون بعد ذلك عن خصائصه إلى أن أخرجوه منها إلى الرملة ، وهي من أرض فلسطين . فكان مقيما بها باقي عمره يصوم نهارا منه ، ويفطر نهارا تأسّيا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في عمله ذلك للقيام بمقتضى الصبر على تكاليف اللّه والشكر على نعمائه . فإنّ بهما تمام دين المرء كما في الأخبار . ثمّ لمّا مرض مرض الموت أشار إلى أهله بأن يحملوه إلى مكّة المعظّمة . فحمل إليها ، وكان به رمق ، وتوفّى بها في يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة من صفر المظفّر . وقيل : في شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة ، وقال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس صاحب « تاريخ مصر » في تاريخه : إنّ النسائي قدم مصر قديما ، وكان إماما في الحديث ثقة ثبتا حافظا ، وكان خروجه من مصر في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثمائة كما ذكره ابن خلّكان . فتأمّل .
روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات — صفحة 210
مساهمون: السيد محمد باقر الخوانساري
ص٢١٠