لي : قلت لك : تجيئنى بحلو ؛ جئتني بحامض . فقلت له : واللّه ما أعرف الحلو من الحامض .
فقال لي : سبحان اللّه لو كنت إبراهيم بن أدهم ما زاد على هذا . فلمّا سمعت منه هذا الكلام جعلت أطلب غفلته فلمّا غفل خرجت من الباب وتركته . وفي رواية فلمّا كان من الغد ذكر صفتي في المسجد فعرفها بعض الناس فجاء الخادم ومعه عنق من الناس فلمّا رأيته قد أقبل مع أصحابه اختفيت خلف الشجر ، والناس داخلون فاختلطت معهم وهم داخلون وأنا هارب . هذا كان أوائل أمرى وخروجي من طرسوس إلى بلاد الرمال هذا .
وفي رواية أخرى إذا هو على فرسه يركضه إذ سمع صوتا من فوقه : ما هذا العبث ؟
أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثا وأنّكم إلينا لا ترجعون . اتّق اللّه ، وعليك بالزاد ليوم القيامة . فنزل عن دابّته ورفض الدنيا وأخذ في عمل الآخرة .
وفي كتاب « اثنى عشريّة » للعيناثىّ قال : وقال خلف بن تميم قلت لإبراهيم بن أدهم : منذكم كنت بالشام ؟ . قال : أربعة وعشرين سنة وما أتيتها لرباط يعنى لغزو .
قلت : فلم ؟ قال : لأشبع من الخبز الحلال . ثمّ قال : وكان إبراهيم بن أدهم يحفظ البساتين فجاءه يوما جندىّ وطلب شيئا من الفاكهة فأبى فضربه الجندىّ على رأسه بسوط فطأطأ إبراهيم له رأسه وقال : اضرب رأسا طال ما عصى اللّه . فعرفه الجندىّ وأخذ في الاعتذار . فقال إبراهيم : الرأس الّذي يليق بالاعتذار تركته ببلخ .
وذكر صاحب كتاب « العرائس » : أنّ إبراهيم بن أدهم كان أمير بلخ ، وكان إذا خرج إلى الصيد أو إلى غيره كان بين يديه أربعمائة عمود من ذهب وفضّة . فركب يوما إلى الصيد فنودي : يا إبراهيم تب . فلم يلتفت . فنودي ثانيا وثالثا . فنزل عن مركبه ، وفرق حشمه خلفه ، وقال : بدا لي شغل . فمشى في البريّة وحده حتّى لحق راعيا فقال له :
لمن أنت ؟ فقال : لإبراهيم بن أدهم . فقال : يا ليتني كنت راعيا . فأعتقه وأعطاه الشياة وأخذ ثياب الراعي فلبسها وجعل يمشى . فأصبح في المفاوز والقفار متنكّرا حتّى عزم على أن يقصد مكّة حاجّا متضرّعا إلى اللّه - عزّ وجلّ - ليغفر له ، ويتوب عليه حتّى إذا كان في بعض المفاوز وسوس له الشيطان فقال : أخشى أن تهلك في البادية جوعا وعطشا . فنذر إبراهيم أن لا يجاوز ميلا في هذه البادية حتّى يصلّى أربعمائة ركعة . فكان
روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات — صفحة 142
مساهمون: السيد محمد باقر الخوانساري
ص١٤٢