أنهم أجمعوا على القطع بتخطئة المخالف للإجماع ، فدلّ على أنّه حجّة ؛ فإنّ العادة تحكم بأنّ هذا العدد الكثير من العلماء المحقّقين لا يجمعون على القطع في شرعيّ بمجرّد تواطؤ أو ظنّ ، بل لا يكون قطعهم إلّا عن قاطع ، فوجب الحكم بوجود نصّ قاطع بلغهم في ذلك ، فيكون مقتضاه - وهو خطأ المخالف له - حقّا وهو يقتضى حقّيّة ما عليه الإجماع .
وأورد عليه نقضا بإجماع الفلاسفة على قدم العالم ، وإجماع اليهود على أن لا نبيّ بعد موسى عليه السّلام ، وإجماع النصارى على أنّ عيسى عليه السّلام قد قتل .
وقال في مقام آخر : وقد رجع المحقّق من جواز التمسّك بالبراءة الأصليّة - في غير ما تعمّ به البلوى - في أوائل كتاب « المعتبر » ، وأنا أقول : التمسّك بالبراءة الأصليّة - من حيث هي هي - إنّما يجوز قبل إكمال الدين ، وأمّا بعد أن كمل الدين وتواترت الأخبار عن الأئمّة الأطهار عليهم السّلام بأنّ كلّ واقعة تحتاج إليها الامّة إلى يوم القيمة وكلّ واقعة يقع فيها الخصومة بين اثنين ؛ ورد فيها خطاب قطعيّ من قبله تعالى حتّى أرش الخدش . فلا يجوز قطعا . وكيف يجوز وقد تواترت الأخبار عنهم عليهم السّلام بوجوب التوقّف في كلّ واقعة لم نعلم حكمها ؛ معلّلين بأنّه إن كمل الدين لا تخلو واقعة عن حكم قطعيّ وارد من اللّه تعالى ، وبأنّ من حكم بغير ما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون .
إلى أن قال عقيب طول كلام في هذا المرام : وقد رأيت في المنام واليقظة أبوابا مفتوحة للوصول إلى الحقّ في هذه المقامات في الحرمين الشريفين ، وشاهدت بعيني البصر والبصيرة مصداق قوله تعالى :
« وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا »
، والحمد للّه تعالى .
وقال في موضع آخر : وقد رأيت في سحر ليلة جمعة في مكّة المعظّمة في المنام أنّه يخاطبني واحد من أخيار الأنام في مقام التسلية بقوله تعالى :
« وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً » ،
وكان السبب فيه أنّي كنت حزينا على ما فات منّي من بعض المساعي ، فأخذتني خفقة في تلك الليلة بعد أن صلّيت صلاة اللّيل وصلاة الوتر . فلمّا أصبحت وفتحت « الكافي » لأنظر في مبحث كان في قصدي فإذا أنا بقول الصادق عليه السّلام