تلك الأيام امرأة من المستضعفات في مهمّ لها ، فأظهرت عنده موت بعض الأعاظم ، فقال لها المولى : أما سمعت ما أمرنا به الخلق من عدم إفشائهم هذا الأمر لدينا ؟ ! فقال المرأة : وأنا من أجل ذلك لم اخبر جنابك منذ وقعت الكائنة ؛ والحال أنّه قد مات عشرة آلاف نفس - أو ما هو قريب من ذلك - إلى يومنا هذا ! ، فيمحض أن سمع المولى بكلام الامرأة سقط مغشيّا عليه من الواهمة وأخذ في القئ والإسهال الشديدين - كما هو شان ذلك المرض العنيف - ولم يلبث غير سويعات قليلة إلى أن ارتحل من مضيق هذه العرصة الفانية إلى فسيح الفردوس ، وارتقت نفسه الزكيّة من درجة قوس النزول إلى مرتبة صعود القوس .
ثمّ نقل نعشه الشريف إلى النجف الأشرف المنيف ، ودفن بها ممّا يلي خلف الحضرة في جانب الصحن المطهّر .
وقد تشرّفت بزيارته هناك عند تشرّفي بزيارة العتبات العاليات - على مشرّفيها أكمل الصلوات والتحيّات - .
وحكى لي بعض فضلاء تلامذته من جملة كرامات جثّته المقدّسة : أنّي لاقيتها في بعض المنازل وكانت موضوعة في أنزه مكان وحولها القرّاء مشغولون بتلاوة القرآن ، وكنت خائفا عليها لشدّة حرارة الهواء والتحام ذلك الجسد جدّا . فلمّا جلست عنده لم أجد منه إلّا رايحة طيّبة تشبه رايحة المسك الأذفر ، بل لم يوجد في بدنه الشريف تغيّر أصلا ، إلى أن ورد في كنف مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام ؛ وهذا من جملة خوارق العادات .
نعم ! يرفع اللّه الّذين آمنوا وعملوا الصالحات والّذين أوتوا العلم درجات .
وقد بقي العلم والاجتهاد في بيته الشريف ونسله المنيف إلى هذه الأوان ، وسوف يتّصل ذلك بيمن باطنه المبارك إلى دولة إمامنا صاحب الزمان ، عليه سلام اللّه الملك المنّان .
ومن جملة أعاظم تلاميذه الّذى انتهت إليه رياسة الإماميّة في زمانه وصار مسلّما للكلّ في كمال فضله وجلالة شأنه ورشاقة جميع ما كتبه في الفقه والأصول ، وخصوصا ما يتعلّق من أصوله بأدلّة العقول ؛ هو الشيخ مرتضى بن محمّد أمين التسترىّ الدسفوليّ ، المتوطّن حيّا وميتا في النجف الغري السري - على مشرّفها السلام العبقري - والمتوفّى
روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات — صفحة 98
مساهمون: السيد محمد باقر الخوانساري
ص٩٨