ذلك ، والحكم بحسن العدل ووجوب رد الوديعة وشكر المنعم ونحو ذلك أمورا مشهورات مسلمات ليس فيها إلا ظن ضعيف ، فلا يحكم الإنسان بقبح الظلم إلا لرقة قلبه ، أو الحمية ، أو لمحبة التعاون على المعاش ونحو ذلك ، فتوصلوا بذلك إلى إبطال العدل والوعيد والشرائع ، وتكلفوا للتوصل إلى هذه الخديعة فنا من أدق الفنون ، والبراهين الحاصلة عن أشكالهم نوع واحد من أنواع العلوم وهو إلحاق التفصيل بالجملة ، وهو أقل العلوم كلفة وإن لم يكن ضروريا كمن يعلم أن كل ظلم قبيح ، ثم يعلم في وقت معين أنه ظلم فإنه يعلم أن هذا المعين قبيح إلحاقا للتفصيل بالجملة ، ولا يحتاج إلى إيراد مقدمتين في شكل مخصوص انتهى .
قال القاضي علي بن عبد اللّه بن رادع : ولقد عرفت صحة ما ذكره في المنهاج بسماعي لمعظم كتب المنطق كالرسالة الشمسية وشرحها وغيرهما ووجدت ما يذكرونه في أشكالهم لا فائدة فيه إلى آخر ما قال في شرحه للإثمار ، ولقد عجبت من قول هذا القاضي حيث قال بسماعي لمعظم كتب المنطق ثم تكلم بعد ذلك بكلام يشعر بعدم معرفته لأول بحث من مباحث الرسالة الشمسية ، وكثيرا من يظن أنه قد عرف علم المنطق وهو لا يعرفه لأنه علم دقيق لا يفتح هذه الإشكالات الباردة .
قال ابن رادع في شرح الأثمار : روي عن المؤلف أيده اللّه أنه قال : إن العلماء المتقدمين كانوا إذا اطلعوا على شيء من ألفاظ الفلاسفة في أي كلام يرد عليهم اكتفوا في ردّه وإبطاله بكون فيه شيء من عبارة الفلاسفة ، ولم يتشاغلوا ببيان بطلانه ، وإن كثيرا من العلماء المتقدمين وكثيرا من المتأخرين نهوا عن الخوض فيه أشد النهي .
وصنف الشيخ جلال الدين السيوطي كتابا سماه القول المشرق في تحريم الاشتغال بالمنطق ، ولم يشتغل من اشتغل من المتأخرين إلا لما كثر التعبير بقواعده من المخالفين ، واستعانوا بالخوض فيه على تيسير الرد عليهم بالطريق التي سلكوها ، وكان الأولى السلوك في طريقة المتقدمين لأن قواعد التعبير بعبارة المنطق كثيرة الغلط وخارجة عن عبارة الكتاب والسنّة واللسان العربي مع أنه مفسدة في كل من الأديان .
وقد روي أن بعض الخلفاء العباسيين لما طلب الفلاسفة ترجم علم المنطق باللغة العربية شاور كبيرا لهم فقال : ترجموه لهم فإن علمنا هذا لا يدخل في دين إلا أفسده .
قال المؤلف رحمه اللّه وقد وجد ذلك الكلام صحيحا فإن كثيرا من المتعمقين
أبجد العلوم — صفحة 448
مساهمون: صديق الحسيني القنوجي البخاري
ص٤٤٨