ولكنه قد حال بينك وبينهم مئات من السنين وكيف لك بواحدة من أهل القرن الأول والثاني أو الثالث تأخذ عنه المعارف الصافية عن كدر المنطق هيهات هيهات حال بينك وبينهم عصور ودهور ، فليس في زمانك رجل يسبح في لجج مقدمات علم الكتاب والسنّة إلا وعلم المنطق من أول محفوظاته ، ولا كتاب من على علماء الإسلام .
وإن كان لغرض غير ذلك كالاقتفاء لآثارهم والتدين بدينهم فهو الكفر والفرية التي لا شبهة فيها ولا مرية ، وفي هذا القدر من أقوال العلماء كفاية وإن كان المجال يتسع لأضعاف أضعاف ذلك ، وليس مرادنا إلا الإشارة إلى الاختلاف في هذا العلم .
وأما ما هو الحق من هذه الأقوال فاعلم أنه لا يشك من له مسكة في صحة أطراف ثلاثة نذكرها هاهنا نجعلها كالمقدمة لما نرجحه .
الطرف الأول : إن علم المنطق علم كفري واضعه الحكيم أرسطاطاليس اليوناني وليس من العلوم الإسلامية بإجماع المسلمين ، والمنكر لهذا منكر للضرورة ، وليس للمشتهرين بمعرفته المكبين على تحقيق مطالبه من المسلمين كالفارابي وابن سينا ومن نحا نحوهم إلا التفهم لدقائقه والتعريف بحقائقه ، ولهذا قال الفارابي وهو أعلم المسلمين بهذا الفن لما قال له قائل : أيما أعلم أنت أم أرسطاطاليس فقال : لو أدركته لكنت من أكبر تلامذته .
الطرف الثاني : إن المتأخرين من علماء الإسلام ولا سيما أئمة الأصول والبيان والنحو والكلام والجدل من أهل البيت وغيرهم قد استكثروا من استعمال القواعد المنطقية في مؤلفاتهم في هذه الفنون وغيرها ، وبالغ المحقق ابن الإمام الحسين بن القاسم في شرح غاية السول فقال :
وهاهنا أبحاث يحتاج إليها .
أما الأول فلأن هذا العلم لما كان علما بكيفية الاستنباط وطريقة الاستدلال عن دلائل ، وكان المنطق علما بكيفية مطلق الاستدلال والاستنباط شارك المنطق وشابهه من هذه الجهة حتى كأنه جزئي من جزئيات المنطق وفرع من فروعه ، ولا ريب في أن إتقان الأصل وتدبره أدخل لإتقان الفرع والتبصر فيه انتهى بلفظه .
فانظر كيف جعل علم الأصول جزئيا من جزئيات المنطق ، وجعله فرعا من فروعه ، فما من فن من فنون هذه المقدمات إلا وقد اشتمل على أبحاث منه ، فأنت بخير النظرين :
أبجد العلوم — صفحة 450
مساهمون: صديق الحسيني القنوجي البخاري
ص٤٥٠