إما الجهل بالعلوم التي لا سبيل إلى معرفة الكتاب والسنّة إلا بها .
أو الدخول فيما دخل فيه أبناء عصرك والكون في أعدادهم ، ولا أقول لك لا سبيل لك إلى كتب المتقدمين التي لم تشب بهذا العلم بل ربما وجدت منها ما يكفيك عن كتب المتأخرين ، ولكنك لا تجد أحدا من أبناء عصرك تأخذها عنه بسنده المتصل بطريق السماع ، كما تجد كتب المتأخرين كذلك ، ولا أقول لك أيضا إن علم الكتاب والسنّة متوقف لذاته على معرفة على المنطق ، فإن دين اللّه أيسر من أن يستعان على معرفته بعلم كفري ، ولكن معرفة علم الأصول والبيان والنحو والكلام على التمام والكمال متوقفة على معرفته في عصرنا لما أخبرناك به ، ومعرفة كتاب اللّه وسنّة نبيه متوقفة على معرفتها على نزاع والمتوقف على المتوقف متوقف .
وسبب التوقف بهذه الواسطة محبّة المتأخرين للتدقيق والإغراب في العبارات واستعمال قواعد المناطقة واصطلاحاتهم وليتهم لم يفعلوه فإنه قد تسبب عن ذلك بعد الوصول إلى المطلوب على طالبه وطول المسافة وكثرة المشقة حتى أن طالب الكتاب والسنّة بما لا يبلغ حد الكفاء لقراءتهما إلا بعد تفويت أعوام عديدة ومعاناة معارف شديد فيذهب في تحصيل الآلات معظم مدة الرغبة واشتغال القريحة وجودة الذكاء فيقطعه ذلك عن الوصول إلى المطلوب وقد يصل إليهما بذهن كليل وفهم عليل فيأخذ منه بأنزر نصيب وأحقر حظ ، وهذا هو السبب الأعظم في إهمال علمي الكتاب والسنّة في المتأخرين لأنهم قد أذهبوا رواء الطلب وبهاء الرغبة في غيرهما ، ولو أنفقوا فيهما بعض ما أنفقوا في آلاتهما لوجدت فيهم الحفاظ المهرة والأئمة الكملة واللّه المستعان .
وحاصل البحث أنه لم يأت من قال بتحريم علم المنطق بحجة مرضية إلا قوله إنه علم كفري ونحن نسلم ذلك ، ولكنا نقول قد صار في هذه الأعصار بذلك السبب من أهم آلات العلوم حلال أو حرام بل يتوقف كثير من المعارف عليه فاشتغل به اشتغالك بفن من فنون الآلات ، ولا تعبأ بتشغيبات المتقدمين وبتشنيعات المقصرين وعليك بمختصرات الفن كالتهذيب « 1 » والشمسية « 2 » ، واحذر من مطولاته المستخرجة على
هامش
( 1 ) هو « تهذيب المنطق والكلام » للعلامة سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني المتوفى سنة 792 ه .
( 2 ) مختصر في المنطق لنجم الدين عمر بن علي القزويني المعروف بالكاتبي المتوفى سنة 693 ه . ألفها لخواجه شمس الدين محمد وسماه بالنسبة إليه ( كشف الظنون : ص 1063 ) .