فيها أشد قسوة ، فرجع خائبا إلى الخيام ، فرأى أهلها تستغيث من العطش والاوام ، فأخذ أواني وقربات ، وتوجه في طلب الماء من الفرات ، ومعه محمد بن أنس « 1 » فملأها ماء وهم بالرجوع وانعكس ، وإذا بالمأمورين لمنع الوصول إلى الماء المبذول أحاطوا بهما وقاتلوهما إلى أن قتلوهما ، ثم برز علي الأكبر « 2 » بن الحسين فقتل كثيرا من الأعادي أولي الرّين ، فطعن في مواضع متعددة من بدنه ، فوقع من فرسه ، فأخذه أبوه الحسين ، وفيه بقية نفسه ، ولما أتى به إلى الخيام طارت روحه الكريمة إلى رياض دار السلام ، ولما انتصف النهار ، واشتد الحر والتهب من الحرارة البحر والبر ، وكان للحسين ولد صغير موسوم بعبد الله « 3 » وقيل بعلي الأصغر ، لم يكن يرضع الثدي من شدة العطش ذلك البر ، فأخذه الحسين بيده ، وقال لهم إن كان فينا التقصير ، فما بال هذا الطفل الصغير ، وقد منع من الماء المبذول للأنام ، فأودى به العطش والاوام فبينما هو يطلب الماء للطفل بحرقة ، وإذا بسهم رمي إلى الولد فأصاب [ حلقه ] فشرب بقدح السعادة صافي زلال الشهادة ، فصار للشهداء المذكورين ثاني اثنين وسبعين فدفنوا جميعا في أرض كربلاء ، وقبرهم في قبة الحسين سيد الشهداء ، يتبرك به ويزار ويلتثمه الصغار والكبار .
تنبيه ، ما كان ينبغي : بل يحرم التعرض لذكر مقتل الحسين وآله لأنه بحث عن ذلهم وهوانهم المؤدي إلى استحقارهم ، وخفض مراتبهم ، مع وجوب اعتقاد جلالة قدرهم وعلو مناصبهم ، وربما يفضي الجهلة إلى سوء العقيدة ، أعاذنا الله منها في بعض أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم الذين دلّت الأحاديث والآيات على علو درجاتهم وكمال صفاتهم وشرافة ذواتهم ، قال الإمام الغزالي : يحرّم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين رضي الله تعالى عنه ، وحكايته وما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم فإنه مهيج على بغض الصحابة والطعن فيهم ، انتهى .
هامش
( 1 ) كذا في الأصل ، والمقاتل هلال بن نافع الجملي .
( 2 ) علي الأكبر بن الحسين بن علي : انظر : الطبري 5 / 446 ومقاتل الطالبيين ص 56 .
( 3 ) عبد الله بن الحسين : الطبري 5 / 468 .