وكان لا يسأل الجنة حياء منه ، ويقول : وددت أن أنجو من النار ، فأصير رمادا وكان يقول : قد مللنا الحياة لكثرة ما نفعل من الذنوب .
وروي أنه قال له رجل من عشيرته : أوصني ، فدمعت عيناه ، ثم قال له : يا أخي إن الليل والنهار مراحل ينزلها الناس حتى ينتهي بهم ذلك إلى آخر سفرهم فإن استطعت في كل مرحلة زادا لما بين يديها فافعل ، فإن انقطاع السفر قريب والأمر أعجل من ذلك ، فتزود لنفسك واقض ما أنت قاض من أمرك فكأنك بالأمر قد بغتك ، وإني لأقول لك وما أحد أشدّ تضييعا لذلك مني ثم قام .
وقال له آخر : أوصني ، فقال له : عسكر الموت ينتظرونك .
وقال أبو بكر بن محمد قلت لداود ، دلني على رجل أجلس إليه فأربح ، فقال : تلك ضالة لا توجد .
وروي ، أنه رحمه الله خرج مع جنازة بالكوفة ، فجلس في ناحية والميت يدفن ، فجاء ناس فقعدوا قريبا منه ، فقال : من خاف الوعيد قصر عليه البعيد ، ومن طال أمله ، ضعف عمله ، وكل ما هو آت قريب ، وكل ما أشغلك عن ربك فهو عليك شؤم ، إلا أن أهل القبور يفرحون بما يقدّمون ، ويندمون على ما يخلّفون .
ولما مات رآه بعض الصالحين في المنام وهو يعدو ، فقال له : ما لك ؟ قال : الآن خرجت من السجن ، فاستيقظ الرجل ، فإذا الصياح قد ارتفع .
وروي أن داود قدس سره اشتكى أياما ، وكان سبب علّته أنه مرّ بآية فيها ذكر النار فكررها مرارا في ليلته ، فأصبح مريضا ، ففتحوا باب الدار ، ودخل عليه ناس من إخوانه وجيرانه ومعهم ابن السماك فوجدوه قد مات ، ورأسه على لبنة ، فلما نظر ابن السماك إلى رأسه قال : يا داود فضحت القراء ، ولما حملوه إلى قبره خرج في جنازته خلق كثير ، ولما دفنوه قام ابن السماك على قبره فقال :
جامع الأنوار في مناقب الأخيار — صفحة 398
مساهمون: عيسى البندنيجي القادري
ص٣٩٨