ابن قحطبة ، لقد هان الخلق على داود طوبى له ، ثم ذهبا .
وعن أبي الهدى الطائي ، قال : مر داود الطائي على زقاق عمرو فرأى الرطب مصففا فدعته نفسه إليه ، فجاء إلى البياع فقال : أتنسأني بدرهم ؟ فقال : هات الدرهم ، فقال : غدا أعطيك ، قال : اذهب إلى عملك ، فرآه رجل يعرف داود فجاء إلى البياع فأعطاه كيسا فيه مائة درهم ، فقال : اذهب ، فإن أخذ منك بدرهم فهي لك ، فلحقه فقال له : ارجع فخذ ، فقال : لا حاجة ، إنما أردنا أن نجرب هذه النفس . فذهب وهو يقول لنفسه ، لم تساوي من هذه الدنيا درهما وأنت تريدين الجنة ؟
وروي عن مليح بن وكيع قال : حدثني أبي قال : سمعت حماد بن أبي حنيفة يقول : بعثني أبي إلى داود الطائي بمال فقال : يستعين به على أيامه ، فإن كان به استغناء فليفرقه على من شاء ، فأتيت بابه ، فسمعته يقول لنفسه : اشتهيت جوزا مشويا فقلت ، نعم وجعلته إدامك ثم طلبت معه الليلة تمرا والله لا ذقت التمر أبدا حتى ألقى الله ، قال فدخلت عليه ، فأعلمته بما جئت به ، فقال : إن ملك أبي حنيفة عندي مما أرضاه ، ولو كنت أقبل من أحد شيئا لقبلته والله تعالى يعلم كثرة دعائي لأبي حنيفة في صلاتي ، فمنه تعلمت ، وبه تأدّبت ولم يأخذ من المال شيئا ،
وروي أنه كان يخبز لداود في الشهر ستون رغيفا ، ثم يعلقها بشريطة يفطر في كل ليلة على رغيفين بماء وملح ، قال : فأخذ ليلة فطوره فجعل ينظر إليه ، فقامت مولاة له سوداء فجاءته بشيء من التمر على طبق ، فأفطر عليه ، ثم أحيا الليلة إلى الصباح ، وأصبح صائما ، فلما كان وقت إفطاره أخذ رغيفيه وملحا وماء ، وكان في بعض الليالي يفطر على رغيف يابس ، فقيل له : ولو أخذت من ملح ؟ فسكت ثم قال : إن نفسي تنازعني ملحا ، فلا ذاق داود ملحا ما دام في الدنيا ، فما ذاقه حتى مات .
وروي أن مولاته قالت له يوما ، لو صنعت لك دسما ، فقال :
وددت ، فطبخت له دسما وجاءت به ، فقال لها : ما فعل أيتام بني فلان ؟
جامع الأنوار في مناقب الأخيار — صفحة 395
مساهمون: عيسى البندنيجي القادري
ص٣٩٥