تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأنوار في مناقب الأخيار — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
قصير ، فكنت أسمعه عامة ليله لا يهدأ ، قالت : وربما تنغم بشيء من القرآن وقت السحر فأرى كأن جميع الدنيا جمع في نغمته تلك الساعة وقيل كان لا يسرج في داره ، وإذا غلبته عيناه احتبى قاعدا . وكان قدّس سرّه يقول في ليله من جملة دعائه : إلهي همك عطّل عليّ الهموم ، وحال بيني وبين الرقاد ، وشوقي إلى النظر إليك حال بيني وبين اللذات ، وأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب . وقال عبد العزيز بن محمد : رأيت في المنام كأن قائلا يقول من يحضر ، من يحضر ؟ فأتيته فقال : ما تريد ؟ فقلت : سمعتك تقول : من يحضر ؟ من يحظر ؟ فأتيتك أسألك عن معنى كلامك ، فقال : أما ترى القائم الذي يخطب الناس ويخبر عن أعلى مراتب الأولياء ، فأدرك فلعلك تدركه وتسمع كلامه ، فأتيته وإذا الناس حوله وهو يقول :
ما نال قوم من الرحمن منزلة * أعلى من الشوق إن الشوق محمود
قال ثم سلم ونزل ، فقلت [ إلى ] رجل جنبي من هذا ؟ قال : أما تعرفه ؟ قلت : لا ، قال : هذا داود الطائي ، فعجبت منه في منامي ، فقال : أتعجب مما رأيت ؟ والله إن لداود من الزلفى أكثر من هذا وأكثر . وروي أنه قدس سرّه ذهب يوما إلى جعفر الصادق رضي الله عنه وقال : يا ابن رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، عظني ، فإن قلبي قد اسودّ ، فقال رضي الله عنه : يا أبا سليمان أنت زاهد زمانك ، أي حاجة لك إلى موعظتي ، فقال داود : يا ابن رسول الله لكم على جميع الخلائق فضل ، وعظتك إياهم واجبة ، فقال : يا أبا سليمان ، إني أخاف أن يقول لي جدي يوم القيامة ، لم ما أدّيت حق متابعتي ؟ وهذا الشغل لا يصح بالنسب ، والنسب القوي لهذا الشغل هو المعاملة اللائقة لحضرة الحق تعالى ، فبكى داود ، وقال : إلهي إن الذي عجنت طينته بماء النبوة ، وركبت طبيعته من أصل البرهان والحجة ، وجدّه الرسول وأمّه البتول ، وهو بهذه الحيرة ، فمن يكون داود حتى يكون بمعاملته معجبا .