وعن عمير بن صدقة ، أنه قال : كان داود الطائي لي صديقا ، وكنا نجلس جميعا في حلقة أبي حنيفة رضي الله عنه حتى اعتزل وتزهد ، فأتيته وقلت : يا أبا سليمان ، جفوتنا ، فقال : ليس مجلسكم ذاك من الآخرة بشيء ، ثم قال : أستغفر الله ، أستغفر الله ، ثم قام وتركني
وقيل له أخرى : لو جالست الناس ؟ فقال : إنما أنت بين اثنين :
صغير لا يوقرك وكبير يحصي عليك عيوبك .
وعن القاسم بن معين قال : لما اعتزل داود الطائي ، فقلت : يا أبا سليمان ، تركت إخوانك ومجلس من يذاكرك العلم ، فسكت طويلا ثم قال :
رحمك الله إني رأيت قلوبا لاهية مؤتلفة وهمما مختلفة ، وأهواء متعبة ، ودنيا مؤثرة ، فكان في اعتزالي أكثر العافية .
وأتاه الفضيل بن عياض يزوره فقال له : أقلل من زيارتي فقد قليت الناس ، ثم قال ما أخرج الله عبدا من ذل المعصية إلى عز الطاعة إلا أغناه الله عزّ وجلّ بلا مال وأعزّه بلا عشيرة وآنسه بلا أنيس .
وعن حبّان بن علي قال : احتاج الحسن بن قحطبة « 1 » أن يسأل داود الطائي عن مسألة فهابه أن يأتيه وحده ، فقال لرجل من وجوه طيء وشيوخها إني احتجت إلى لقاء داود فكن معي ، فأتياه فدخلا فسلما عليه ، فردّ السلام ، فلما رأى ابن قحطبة ، انقبض وجعل لا ينظر إليهم ، فابتدأ ابن قحطبة يسأله عن المسألة ، فلم يجب ولم يكلمه ، فأعاد عليه ، فأعرض عنه بوجهه ، فلما رأى ذلك ابن قحطبة خرج وتوقف الشيخ عنده ، فقال له : يا أبا سليمان يجيئك ابن عم لك يسألك عن مسألة من أمر دينه فلم تجبه ، فنظر داود نظرا منكرا ثم قال : وإذا نفخ في الصور ، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ، فقام الشيخ مبادرا فأصاب ابن قحطبة ينتظره ، فأخبره ، فقال
هامش
( 1 ) الحسن بن قحطبة الطائي ، قائد شجاع من قواد الدولة العباسية ، توفى سنة 181 ه الكامل لابن الأثير 6 / 53 .