وقال أبو بكر الكتاني « 1 » : جرت مسألة في المحبة بمكة أيام الموسم ، فتكلم المشايخ فيها ، وكان الجنيد أصغرهم سنا ، فقالوا له : هات ما عندك فيها يا عراقي ، فأطرق رأسه ودمعت عيناه ثم قال : عبد ذاهب عن نفسه ، متصل بذكر ربه ، قائم بأداء حقوقه ، ناظر إليه بقلبه ، أحرق قلبه من نار هويته ، وصفا شربه من كأس ودّه ، وانكشف له الجبار من أستار غيبه ، فإن تكلم فبالله ، وإن نطق فمن الله ، وإن تحرك فبأمر الله ، وإن سكن فمع الله ، فهو بالله ولله مع الله ، فبكى الشيوخ وقالوا : ما على هذا من مزيد ، جبرك الله يا تاج العارفين .
وقيل له : لأي شيء يبكي المحب إذا لقي المحبوب ، فقال : إنما يكون ذلك سرورا به ووجدا من شدة الشوق إليه ، ولقد بلغني أن أخوين تعانقا ، فقال أحدهما وا شوقاه ، وقال الآخر : وا وجداه
وقيل له : ما بال الإنسان يكون هاديا فإذا سمع السماع اضطرب ؟
فقال : إن الله تعالى لما خاطب الذر في الميثاق الأول بقوله : ألست بربكم استفرغت عذوبة سماع الكلام الأرواح ، فإذا سمعوا السماع حركهم ذكر ذلك .
وقال : تنزل الرحمة على الفقراء في ثلاثة مواطن ، عند السماع فإنهم لا يسمعون إلا عن حق ، ولا يقومون إلا عن وجد ، وعند أكل الطعام فإنهم لا يأكلون إلا عن فاقة ، وعند مجارات العلم فإنهم لا يذكرون إلا صفة الأولياء .
وقال : السماع فتنة لمن طلبه ، وترويح لمن صادفه .
وقال : السماع يحتاج إلى ثلاثة أشياء ، الزمان والمكان والأخوان ، وقال : إذا رأيت المريد يحب السماع فاعلم أن فيه بقية من البطالة .
هامش
( 1 ) محمد بن علي بن جعفر الكتاني ، أبو بكر ، أصله من بغداد ، وصحب الجنيد وغيره ، وأقام بمكة إلى أن مات سنة 322 ه ، ترجمته في طبقات السلمي ص 373 وحلية الأولياء 10 / 357 وصفة الصفوة 2 / 257 والرسالة القشيرية 35 وتاريخ بغداد 3 / 74 .