فيها ، ثم يكشف له باب القناعة فيطيب عيشه لفناء قلبه ، ثم يكشف له باب الصبر فتخمد نيران الشهوات فيستريح ويزول عنه الهوى ، ثم يكشف له باب التوكل فيكتفي بمولاه عمن سواه ، ويطمئن قلبه عن ذكر الكفاية وينقطع سره عن التقاضي .
وقال : من عرف الله تعالى أطاعه ، ومن عرف نفسه ساء بها ظنه ، وخاف على حسناته أن لا تقبل منه ، أشد مما يخاف غيره على سيئاته .
وقال : السير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن متى ما غمض عن الدنيا أبصر الآخرة ، ومن أبصر الآخرة هان عليه ترك الدنيا ، وهجران الخلق في جنب الحق مرّ شديد ، والسير من النفس إلى الله تعالى صعب شديد ، والصبر مع الله تعالى أشد وأصعب . وأنشد لنفسه :
وجدي عليك على أني مجمجمه * وجد السقيم لبرء بعد أدناف « 1 »
أو وجد ثكلى إذا غاب واحدها * أو وجد مختلس من بين آلاف
وقال الخلدي ، قال لي الجنيد : إذا صدقت الله تعالى فاصدقه في سرك ، فإن الله عزّ وجل جعل على كل شيء لإبليس طريقا إلا صدق الأسرار .
وقيل له : متى تصفو المعاملة لله عزّ وجل ؟ فقال : إذا لم تمازجها الأدناس ، ولم تخالطها ملاحظة الناس ، قيل له : فمتى تصح الوحدة ؟ قال :
إذا اعتزلت عن نفسك ودخلت في حبسك ، وأخذت في درسك ، وما جنيت في أمسك ، قيل له : فمتى تطلب الخلوة ؟ فقال : إذا كان لك جليسا ، وكان الجليس في الحبوس أنيسا .
وقال : إن للعلم ثمنا فلا تعطوه حتى تأخذوا ثمنه ، قيل له : وما ثمنه ؟ قال تضعونه عند من يحسن حمله ولا يضيعه .
هامش
( 1 ) في الأصل أدناق بالقاف وكذلك قافية البيت الثاني .