قال : ويخطر ببال هذا الفقير أن كلام الجنيد ليس اعتراضا على الشبلي وردّا له بل كان تعليما للمريدين ترك اختيارهم ، فإن كلام الشبلي لا ينافي العبودية .
قلت : بل كان ردّا عليه وتربية له لئلا يتقيد بإثبات الاختيار لنفسه ولا يقف عند ذلك المقام فإن مقتضاه ينافي العبودية إذ العبد المتصف بالعبودية من لا له إرادة ولا خيار بل ولا حركة ولا سكون ولا قرار ، وكل ذلك للمولى ، فالجنيد لكونه شيخ الصحبة للشبلي على ما سيأتي في ترجمته أرشده بالكلام إلى هذا المقام ، فما قاله المؤلف من خواطر البال ، وما قاله الفقير من بوارق الحال ، والله ولي العصمة في الحال والقال .
هذا ونقل أن رجلا من الأكابر رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلم في المنام والجنيد جالس في مجلسه المقدس فأتى رجل بفتوى وعرضها على النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال صلّى الله عليه وسلم : أعطه الجنيد ، فقال الرجل : بعد أن حضرت يا رسول الله ما معنى الأمر بالإعطاء إلى جنيد ، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : لأن كل نبي من الأنبياء يباهي بأمته وأنا أباهي بالجنيد .
ويروى أنه رمدت عيناه ، فأتاه طبيب نصراني وحذّره من أن يصيبه الماء وولى فقام قدس سره وآثر رضاء الرب على ما اقتضاه الطب ، فتوضأ وصلّى ثم نام ما شاء الله ، وانتبه وإذا بعينيه عوفيتا من الرمد وسمع نداء من الهاتف يا جنيد ، انك كحلت عين بصيرتك بكحل الرضاء ، وتركت عين رأسك لم تخف عليها من الداء ، فزت منا بالمعافات والشفاء ، ولو شفعت في جميع أهل النار لقبلت شفاعتك فيهم ، ثم أتى الطبيب فرآه مشافى من الرمد ، فسأله عن المعالجة فقال : تداويت بماء الوضوء ، فأنصف الطبيب وأسلم .
ونقل أيضا أن أبا بكر الشبلي ذكر الله وقال : الله الله وهو جالس عند الجنيد ، فقال الجنيد : إن هو غائب فذكر الغائب غيبه ، وإن هو حاضر
جامع الأنوار في مناقب الأخيار — صفحة 302
مساهمون: عيسى البندنيجي القادري
ص٣٠٢