من ساعته وذهب إلى الجنيد لزيارته فقعد بين يديه واعتذر لديه ، وقال :
كيف ساغ لك إحراق هذه الجميلة الحسناء ، فقال الجنيد ، وأنت كيف جاز لك أن تفسد علي عبادة أربعين سنة وتجعلها إلى هباء ثم أنه قدس الله سره لم يزل يرقى مقاما بعد مقام ، ويقطع بقلبه منازل الأولياء الكرام إلى أن اشتهر أمره وشاع صيته بين الأنام ، وصار معتقدا للخواص والعوام ، وكان يقول : من أراد سلوك طريق الهداية والوصول إلى مقام التحقيق فليأخذ بيده اليمنى كتاب الله وبيده اليسرى سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليسلم من الهوى في مهاوي الشبه ، والوقوع في ظلمات البدعة ، وكان يقول : ما أخذنا التصوف عن القيل والقال ، ولكن أخذناه عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات ، قال مولانا الجامي قدس سره السامي في شرح ديباجة المثنوي المنسوب إلى مولانا جلال الدين الرومي : حقق الثقات أن الجنيد قدس سره لم يتساهل قط في القيام بوظائف الشرع الأزهر ، وقال له رجل : أهل المعرفة بالله يصلون إلى مقام فيه ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله تعالى فقال الجنيد : هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال ، وهو عندي عظيم والذي يزني ويسرق أحسن حالا من الذي يقول هذا ، بل إن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله تعالى واليه رجعوا بها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلّا أن يحال بي دونها ، انتهى . ما في شرح الديباجة .
نقل عنه رضي الله عنه كان يتزيا بزي العلماء ويلبس ملابسهم وكان يقول لو كان ينفع المرقع لألبسه في سبيل الله للبست مرقعا من الحديد والنار ، وإني لأسمع في باطني نداء يقول : ليس الاعتبار بالخرقة إنما الاعتبار بالحرقة ، وذكر الشيخ فريد الدين العطار في تذكرة الأولياء أن الشيخ أبا بكر الشلبي قال يوما : لو خيّرني الله تعالى يوم القيامة بين الجنة والنار لاخترت النار على الجنة ، لأن الجنة من مشتهياتي ، والنار مرادة للمحجوب ولا أؤثر مرادي على مراده ، فسمع الجنيد ذلك فقال : هيهات ، لو خيّرت بينهما ما اخترت شيئا منهما ، لأني عبد وما للعبد والاختيار ،
جامع الأنوار في مناقب الأخيار — صفحة 301
مساهمون: عيسى البندنيجي القادري
ص٣٠١