مشايخ علم الطرائق ، وكنز الإشارات والدقائق ، ومنبع العلوم والحقائق ، وصاحب الكرامات والخوارق عديم النظير في زمانه ، متفق على فضله بين أقرانه ، وكلامه بين المشايخ حجة ، وطريقته عندهم أقوم محجّة ، وعرف بينهم بسيد الطائفة ، ولسان القوم ، وأعبد المشايخ ، وطاوس العلماء والمحققين ، وسلطان الزهاد وأهل اليقين ، واشتهرت طريقته بالصحوية ، كما اشتهرت طريقة أبي يزيد البسطامي وأصحابه بالطيفورية ، وانتسب أكثر مشايخ بغداد إلى طريقته ، وسلك بها لما كانت أعرف الطرائق وأشهرها ، وهو قدس الله روحه أول من أنتشر عنه علم الحقيقة والباطن ، وألف فيه كتبا ورسائل « 1 » ، وصح أنه من صغره ذا أدب وفطنة ، وفي سرعة الفهم كان في أعلى مكانة ، نقل أنه انصرف ذات يوم من المعلّم وأتى إلى البيت فرأى أباه حزينا تدمع عيناه ، فسأله عما به قال له : أرسلت بعض زكاة أموالي إلى خالك السري فلم يقبله مني وردّه عليّ ، فقلت في نفسي ، كفاني بعدا عن الله أنه انتهى عمري وأنا لاه بزخارف الدنيا وإني لست أهلا لأن يقبل مني زكاتي ولا صرفي ولا عملي فحزنت لذلك ، فقال : أعطني النقود فأنا أوصلها إليه ، فأخذها وذهب إلى باب دار السري ، فدقّه ، فنودي من في الباب ، فأجاب : أنا الجنيد ، أتيت إليك لأن تقبل الزكاة التي رددتها ، فقال السري : لا أقبلها ، فقال الجنيد : عزمت عليك بالله الذي عاملك بفضله ، وعامل أبي بعدله إلا أن تقبلها وإلا أوصلتها إلى مستحقيها ، فقال السري :
ما تعني بفضل الله علي وعدله في أبيك ، قال : إن جعلك زاهدا في الدنيا ، خاليا من زينتها ، مشغولا به تعالى ، وجعل أبي من أهلها وحزبها ، مشتغلا بها ، فقال : قبلتك قبل أن أقبل الزكاة ، ففتح الباب المسدود وأخذ ما عنده من النقود .
ووقع قدس الله روحه عند السري قدس سرّه في أحلى موقع ومنزله ، وأخذه وهو ابن سبع سنين معه إلى حج بيت الله الحرام فاجتمعا بمشايخ
هامش
( 1 ) انظر أسماء مصنفاته وما نسب إليه من رسائل في بروكمان 4 / 65 .