تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأنوار في مناقب الأخيار — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
الحرم وهو يزيدون على ثلاثمائة فجري بهم مسألة الشكر ، وذهب فيه كل منهم إلى مذهب ، فأشار السري قدس سره إليه وقال : هات ما عندك في الشكر ، فقال : أن لا تعصي الله تعالى بنعمة ، فاستحسن المشايخ ما قاله وقالوا له : أحسنت يا نور عين الصديقين ، ثم لما رجع من مكة وفتح حانوتا وأخذ يبيع فيه الزجاج ، قلت : ولذلك كان يقال له القواريري أيضا ، أو لأن أباه كان يبيع الزجاج على ما في الكتب المؤلفة في هذا الشأن ، ولم يكن معه ما هو فيه من البيع والشراء يفتر عن العبادة وكان يسدل ستر حانوته ويصلي كل يوم أربعمائة ركعة إلى أن ترك الحانوت وبيع الزجاج وانقطع لمعاملة الرب وسلك إليه أحسن منهاج ، فدخل زاوية السريّ قدس سره فاشتغل بالسلوك إلى ملك الملوك فأقام أربعين سنة يقوم الليل إلى الفجر ، ويصلي الفجر بوضوء العشاء ولما انقضى عليه أربعون سنة ، وهو لم يذق طعم سنة مع ما عليه من العبادة لله والانقطاع إليه عما سواه ، خطر به بالبال أنه فاز بالوصول ونال ، فهتف به هاتف : أن يا جنيد آن أن أريك طرف زنارك ، فقال الهي : ما ذنبي وأنت الحكم العدل ، فنودي أخرى وهل ذنب فوق ما أنت فيه من هذه الحال وعما خطر بالبال ؟ فتنبه واستغفر الله وتاب ، ورجع إلى مولاه وأناب ، ولم يزل من أول الليل إلى آخره يجتهد في العبادة ويقوم بأوراده وأذكاره ، مقبلا على الصانع تعالى ، معرضا عن آثاره ، فسعى به الحسّاد والجاحدون إلى الخليفة بأنه يفتن الناس ويفسدهم على الخليفة ، فقال الخليفة : لا سبيل لنا عليه ولا حجة لنا في مؤاخذته إلا أن نخادعه ونحتال عليه ، وكانت لديه جارية حسناء اشتراها بثلاثة آلاف فزينها بأنواع الحلي والحلل ، وأرسلها إليه مع خادم لتفتنه وتفسد حاله ، ويلقوا بذلك عليه سبيل ، فمضت الجارية مع الخادم إلى صومعة جنيد ، وحضرت بين يديه وألقت بنفسها عليه وجعلت تقول : أملي أن أصاحبك ، وأشتغل معك بالطاعة وأفوز بوصالك ، فقد أخذ بمجامح قلبي هواك ، وليس لي طمع في سواك ، فلم يلتفت إليها الجنيد ، وتأوّه ونفخ عليها فاحترقت الجارية من تلك النفخة ، كأنها قبس صادف شعلة نار فرجع الخادم وحده متعجبا مما رأى ، وأخبروا الخليفة بما جرى ، فندم الخليفة