شكوى الزمان
قال :
صفحة تنطوي وتنشر أخرى * هكذا يفتح الكتاب ويقرا
كلما بان للنواظر سطر * منه اخفى عن النواظر سطرا
قد نظمنا نظم القوافي ولكن * رب عجز منا تقدم صدرا
ولئيم قد عاش عيشا رغيدا * وكريم قد مات جوعا وفقرا
وذنابى على الرؤوس تعالت * واستطالت عزا وجاها وقدرا
وقال :
ما ملكت نواصي البلاد * بقوة الاعداد والعتاد
وانما بمالها قد ملكت * ما للقلوب العمي من قياد
يجري على انعكاسها أمورنا * يا ليتها تجري على اطراد
رمنا صلاحا فأبت قادتنا * الا سلوك منهج الفساد
وقال مشطرا :
بلاء ليس يشهده بلاء * مقام الأكرمين بدار هون
وأعظم منه في الدنيا عناء * عداوة غير ذي حسب ودين
يبيحك منه عرضا لم يصنه * على ما فيه من داء دفين
فترتع منه في عرض مباح * ويرتع منك في عرض مصون
الاغراض المختلفة
قال في الحرب العالمية الثانية :
ورد عليه تزاحم وخصام * تطوى وتنشر حوله الاعلام
تجري الدماء علي ضفاف غديره * ويشام فيه على الحسام حسام
نهز الغواة بدلوه وتوهموا * فيه الحياة إذا الحياة حمام
تتطاير الأرواح من أجسامهم * دون المنال وتركد الأجسام
صبغت بمحمر النجيع رماحهم * وسيوفهم والهضب والآكام
هوت النسور وانها من صنعهم * كالصاديات وما بهن اوام
وأشد ما علت الغمام كأنها * في الجو من فوق الغمام غمام
طلعت على شرق البلاد وغربها * ثوب صغار خطوبهن جسام
هدرت شقاشقها وهن مدافع * ودجت غياهبها وهن قتام
القت على الأرض القنابل مثلما * قد ألقيت عن فلكها الاجرام
في كل ناحية يشب ضرامها * حتى البحار بها يشب ضرام
طالت ليالي بؤسها وشقائها * حتى كان شهورها أعوام
بعثت عزائمها وهن عواصف * فإذا الحصون المحكمات رمام
واستنطقت عند اللقاء قواضبا * خرسا كلام شفارهن كلام
صالت مهاجمة وصال مدافعا * حتى تفانت اتصل وسهام
كل يقربه اللجاج إلى الردى * ما في الهجوم ولا الدفاع سلام
في الحرب كل جريمة لو لم تكن * بحرابها تتمحض الاجرام
أترى من المسؤول عن تبعاتها * ومن الذي حاقت به الآثام
كم دولة غلبت على سلطانها * وقضت على عليائها الأيام
وقفت عقاب الجو دون منالها * وتطامنت لجلالها الاعلام
زالت وزال جلالها وملوكها * فكأنها وكأنهم أحلام
ورقت على الأعواد أقوام هم * بنفوسهم وسيوفهم أقوام
أفعالهم أحسابهم فهم بها * لا بالعظام الباليات عظام
ذهب الطوال معاصما وذوابلا * واستبسلت من بعدها الأقزام
وسطت على الأسد الظباء وأنشبت * بالصقر أظفار الحمام حمام
تعلو وتنحط الشعوب وشرها * شعب يباح عرينه ويضام
أعداؤه لم تنطبق أجفانهم * سهرا عليه وأهله قد ناموا
أيصان ملك أهله في غرة * أقصى مناهم راحة وجمام
شغلوا عن الآجام وهي خلية * من أسدها فأبيحت الآجام
يتنازعون الكاس فيما بينهم * جام تراق لهم وتملأ جام
صغرت نفوسهم وان كانت لهم * جثث كما شاء النعيم ضخام
لو لم تكن تلك النفوس هزيلة * في ذاتها لم تسمن الأجسام
من لم يكن من نفسه في عصمة * لا الرمح يعصمه ولا الصمصام
يلتام صدع الجسم ان عالجته * يوما وصدع النفس لا يلتام
والجبن أقبح ما يشان به الفتى * يفنى الجبان به ويبقى الذام
ما اعجل الاقدام من اجل ولا * عنه لعمرك اخر الاحجام
ومسيطرين على الورى لا دينهم * دين ولا احكامهم احكام
نبذوا العهود قديمها وجديدها * واتوا بما لم يأته الاسلام
قوادهم سفهاؤهم وقضاتهم * جهالهم وشرارهم حكام
ضربوا الحصار وضيقوا رحب الفضا * فالخلق كالطير الظماء حيام
فالبحر والبر الفسيح كلاهما * متعذر المنهاج ليس يرام
عم الضلال فهل ترى من بارز * الا عليه للضلال وسام
عم البلاء فلا ترى من مورد * الا عليه للبلاء زحام
طبعت على الظلم الأنام فكلهم * متظلمون وكلهم ظلام
الخلق كلهم قبيل واحد * وهم وان بعد المدى أرحام
فالعرب كالأعجام الا انهم * نطقوا بما لم تنطق الاعجام
يتنازعون على حطام زائل * ومتاع دنيا شيب فيه سمام
فإذا تجلى عن حياتهم الغطا * علموا بان حياتهم أوهام
حسد تأصل داؤه فكساهم * برد السقام وما هناك سقام
اورى زناد الحقد فيما بينهم * واستامهم ما لم يكن يستام
ما بالهم قد أصبحوا لا قربهم * قرب ولا ذاك الذمام ذمام
يتنازعون على حياة كلها * تعب وكل شؤونها آلام
شح الغني بماله فتألبت * فئة عليه أضرها الاعدام
عاث الزمان بشملهم فتفرقوا * أرأيت عقدا بت منه نظام
انا بالحقيقة ان نطقت مؤاخذ * وعلى السكوت إذا سكت آلام
وجاءه مرسوم بالقضاء فاستعفى منه وقال :
عرش لبنان لست أرضاه عرشا * لا وعلياك وهو يرجى ويخشى
لا أرى شهبه الطوالع شهبا * لا ولا رقشه اللواسع رقشا
ميت أبصروه بالوهم حيا * ورأوا نعشه فخالوه عرشا
لم يكونوا عمش العيون ولكن * صيرتهم مطامع النفس عمشا
لست أدري والصبح باد لما ذا * قد سرى من سرى بفيفاء غطشا
ضمني والآباء برد نقي * طرز الحزم صفحتيه ووشى
قد لمست الدنيا بكف نزيه * لم تؤثر به الحوادث خدشا
أعيان الشيعة — صفحة 290
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٢٩٠