وطيي في تطلبها الفيافي * وكسري سورة الأسد المهيب
وكم لي في الدياجي من مسير * يقصر خطوة الفرس النجيب
فيا من عزمه كالسيف ماض * لدى اللزبات في اليوم العصيب
ومن أخلاقه تزهو كروض * أصيب بعارض الغيث الصبيب
طليق في السماح إذا تبدت * سنو المحل بالوجه القطوب
له حلم كشامخة الرواسي * وطبع مثل معتل الجنوب
اودك في البعاد وفي التداني * وفي حال الحضور وفي المغيب
ولست مداهنا أبدي مقالا * وأخفي ضده فعل المريب
عهدتك لا تميل إلى صدودي * وتغضي عين صفحك عن عيوبي
وتلقاني إذا ما ضاق امر * علي بذلك الصدر الرحيب
فكيف تروم هجراني وبعدي * واسلامي لطارقة الخطوب
وشعري وصلة لرضاك عني * وان الصفح من شيم اللبيب
فقلت في جوابها :
صبوت وهمت من بعد المشيب * بنازلة على سفح الكثيب
وقد ذهبت بلبك شمس حسن * تقول إذا بدت للشمس غيبي
تميس كغصن أسلحة وترنو * إليك بمقلة الظبي الربيب
لها قد القضيب وأين منها * غداة تمايلت قد القضيب
وطرف فاتر اللحظات يوحي * باسرار الغرام إلى القلوب
جرى ماء الشباب بوجنتيها * كجري الماء في الغصن الرطيب
ارتك الليل اطلع بدر تم * على غصن رطيب في كثيب
وعبقت المنازل مذ تثنت * ببرد غير مزرور الجيوب
وما مرت عليها الريح الا * تارج نشرها من غير طيب
دمي من غير ما جرم أحلت * ووصلي حرمت من غير حوب
ولو جادت بوصلي بعض يوم * لنغصه محاذرة الرقيب
رأت رأسي يلوح الشيب فيه * فصدت حين لاح لها مشيبي
وقد كان الشباب شفيع ذنبي * فأمسى الشيب من أدهى ذنوبي
وما ان شبت من كبر ولكن * هموم شيبت قبل المشيب
أدلس بالخضاب بياض شيبي * وما اربي من الشيب الخضيب
يروقك حين تنظره صباحا * وينصل لونه عند الغروب
رمى جسمي جفاها بالشحوب * وقلبي بالبلابل والوجيب
وقال الناس لو تبغي طبيبا * وكيف وممرضي امسى طبيبي
وذي رحم نصحت فكان نصحي * لديه يعد من بعض الذنوب
رأى فيما يرى قولي ثقيلا * واني جئت بالامر الغريب
كذاك الحق محمله ثقيل * وقد ينبو عن الصدر الرحيب
إذا ما الداء كان دواه مر * المذاق فأي ذنب للطبيب
جذبت بضبعه عن وطئ دحض * وعن اجراء جامحة شبوب
وليس بغير رأي العين قولي * ولست أقول رجما بالغيوب
وقال رأيت احساني قبيحا * فيا لله للامر العجيب
وقال السهم يخطئ من بعيد * ولست أراه يخطئ من قريب
لعمر أبيك ما هذا بسهم * ولكن قول ذي نصح أريب
شفيق والتجارب حنكته * فأدرك ما تحجب بالمغيب
وقال على اكتسابي للمعالي * وأخذي من معادنها نصيبي
تعنفني وتوسعني ملاما * فلست أراك ذا رأي مصيب
رأى شبها توهمه نضارا * وآلا ظنه ري القلوب
ومرعى انبتته يد الغوادي * على دمن المنازل وهو موبي
يروق الناظر قبل اختيار * وليس بذلك المرعى الخصيب
وقال لقد عهدتك ذا وداد * وتغضي عين صفحك عن عيوبي
ولو أغضيت عن امر أراه * بعين العقل من أدهى الخطوب
لكنت مداهنا وعلمت اني * عدو لابس ثوب الحبيب
وارسل نظمه كالدر يزهو * فيبهر كل ذي لسن أديب
قواف كاللئالي لم تغادر * لقس في الفصاحة من نصيب
وصاع فرائدا لم تبق ذكرا * لأحمد والوليد ولا حبيب
وذاك ذريعة لرضاي عنه * عداك اللوم ما انا بالغضوب
وان أغضب فلم أغضب لنفسي * ولست اليوم عندي بالمريب
وودي خالص لك لم يشبه * صدود في الحضور وفي المغيب
فقابل واستدم بالشكر نصحي * فان الشكر من شيم اللبيب
وجاءتني منه هذه القصيدة أيضا من النجف الأشرف :
أمباري الرشا الغرير * ومحاكي الغصن النضير
رفقا بقلب متيم * يطوى على نار السعير
أيرق لي وفؤاده * قد قد من صم الصخور
بالنفس جدت له وكم * قد ضن بالنزر الحقير
قلبي أسير لحاظه * يا من يمن على الأسير
يعييه حمل حليه * ويضره لمس الحرير
يبدو الهلال بوجهه * ويغيب في ليل الشعور
يا غيث رو ربوعه * بعهاد عارضك المطير
كم من سرور هزني * فيه فملت من السرور
ألهو بأبلج وجهه * يزهو على البدر المنير
متعاطيين من المدامة * بالكبير وبالصغير
ويديرها عذب اللمى * واللحظ منه ذو فتور
لا تحسبن مدامة * لكنها طبع المدير
حسبي بمحسن جنة * من حادث الدهر العسير
جار الدخيل المستجير * ومطلق العاني الأسير
المقتني غرر الثنا * والمرتقي فوق الأثير
رب الفضائل والندى * والمجد والشرف الخطير
يا سائلا عن فضله * مني سقطت على الخبير
جود كشئبوب الحيا * يهمي وعلم كالبحور
ويرى بفطنته الذكية * ما تحجب بالستور
يبدي الضمير كأنما * هو عالم ما في الضمير
قسما بوافر فضله * وبعلمه الطامي الغزير
ما في الأنام نظيره * حاشاه جل عن النظير
لا تطلبن لحاقه * والو العنان عن المسير
هامش
( 1 ) الشبه بفتحتين النحاس الأصفر .
( 2 ) النضار الذهب .
( 3 ) الآل السراب .
( 4 ) المتنبي .
( 5 ) البحتري .
( 6 ) أبو تمام الطائي " المؤلف " .