تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
صلّى عليه ربّنا وسلّما * وآله وصحبه الأمجاد ما غردت قمريّة فأطربت * وأمطرت سحب وسال وادي
وكان ينظم الشعر ، وشعره شعر علماء ، لأنهم لا يشغلون أنفسهم به ، كما قال ابن بسّام : إن شعر العلماء ليس فيه بارقة تسام ، وجعل الشهاب أنّ أحسن بعض أشعارهم من قبيل دعوة البخيل وحملة الجبان . وقال الأمين في نفحته : قلت علة ذلك أنهم يشغلون أفكارهم بمعنى يعني . والشعر وإن سمّوه ترويح الخاطر ، لكنه مما لا يثمر فائدة ولا يغني . وشتان بين من تعاطاه في الشهر مرة ، وبين من أنفق في تعاطيه عمره . انتهى . وقد ترجمه الشيخ سعيد السمان في كتابه ، وقال في وصفه : خاتمة أئمة الحديث ، ومن ألقت إليه مقاليدها بالقديم والحديث . اقترح زناده فيه فأضاء ، وشاع حتى ملأ الفضاء . آخذا بطرفي العلم والعمل ، متسنّما ذروة عن غيره بعيدة الأمل . يقطع آناء الليل تضرعا وعبادة ، ويوسع أطراف النهار قراءة وإفادة . لا يشغله عن ترداده النظر في دفاتره مرام ، لا عن نشر طيّها نقض ولا إبرام . مع ورع ليس للرياء عليه سبيل . وغض بصر عما لا يعني من هذا القبيل . وهو وإن كانت عجلون تربة ميلاده ، فإن الشام تشرفت بطارف فضله وتلاده . فقد طلع في جبهتها شامة . وأرهف منصل فكرته بها وشامه . حتى صار هلاله بدرا ، ومنازله طرفا وقلبا وصدرا . فاستحثّ عزمه نحو الروم ، وقصد بها إنجاز ما يروم ، فأحلّته بين السمع والبصر ، وجنى غصن أمانيه واهتصر . وعلى ما به قوام معاشه اقتصر . فآب ولم يخب مسعاه ، وطرف الدهر بمقلة الارتقاء يرعاه ، فأظلّته قبة النسر المنيفة ، وصار لمن سلفه خليفة ، وأي خليفة ! فتغصّ خلعته بالخاص والعام ، فيملي على فتح الباري ، ما يوضح خفايا البخاري . بناطقة تسحر العقول بأدائها ، وتسخر بالعقود ولألائها . ووجاهة ملء البصيرة والبصر ، على مثلها الوقار اقتصر . وخلق ما شابه انقباض . وسجيّة لم تنقد بإعراض ، ولم يزل نسيج وحده تأليفا وتقريرا ، وحديثا حسنا تسطيرا وتحريرا . حتى شرب الكأس المورود ، وذوت من روض محاسنه تلك الورود . فتنفذ عليه البصر والدمع ، وعمي البصر والسمع . بلّ اللّه بالرحمة ثراه ، فهو ممن أخذت عنه الإسناد . وأمّدني بقراءتي عليه بما ينفع إن شاء اللّه يوم التناد . وله شعر موزون ، يتسلّى به الواله المحزون . انتهى مقاله . ومن شعر المترجم قوله من قصيدة ممتدحا بها المولى عطاء اللّه ، قاضي العسكر في الدولة العلية ، مطلعها :
أظبي الإنس عطفا بالتداني * فقد أضرمت نيران الجنان وقد عذّبت بالألحاظ صبّا * قتيلا بالعيون وبالبنان
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر — صفحة 298 | أكرم حسن العلبي / محمد خليل المرادي