تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
انتهى ما قاله الصدّيقي . وذكر الجعفري المقدم ذكره أنّ مولده كان سنة إحدى وثمانين بعد الألف . وتوفي والده وكان سنه إذا ذاك شهرين ، فنشأ في حجر جدّته لأمه ، رحمهما اللّه تعالى . وربّته هو وأخاه الشيخ محمّد . ثم إنه تعلم القرآن العظيم . وهو وأخوه المذكور . وفاق الشيخ سائر أقرانه . وكان شأنه في صغره أنه يجلس مطرقا رأسه ناصتا . وأنه كان طلب العلم مدّة ، وقرأ : الغاية في فقه السادة الشافعية على العالم الشيخ أحمد الدسوقي . ثم لما بلغ تعاطى ضمان الثمار مدّة هو وأخوه . ومع ذلك كان يدأب نفسه في العبادات . وبدهته بواده التجلّيات ، وهو راق على السلّم ليجني الزيتون . ولاحت له بارقة الجذب . وسمع هواتف الأحوال تناديه بدخول ديوان الرجال ، فنزل عن السلّم ، وفرّق جميع ما كان عليه من الملابس والثياب ، وأتلف جميع ما عنده من متاع ونحاس وغيره ، ثم إنه خرج في ساعته هائما إلى الجبّانة المعروفة بباب الصغير ، وصعد إلى محلّ عال هناك شاخصا ببصره إلى السماء ، واستمرّ مدة على ذلك . قال الجعفري : قال أخوه : فجئت إلى البيت فسألت عنه فلم أره . وكان الشيخ توجه من ساعته إلى الصّالحيّة . قال : فخرجت أطلب أثره ، فلم أجده إلى سبعة أيام . وفي اليوم الثامن جاءني رجل وأخبرني أنه في الصالحية . فخرجت من ساعتي مسرعا ، فوجدته واقفا في السفح خاوي الجوف من الجوع ، مرخى الزنّار . ثم قال له أخوه : أين كنت يا أحمد . فقال : أخذني السادات إلى بغداد ووضعوني في مغارة ، وشرعوا يذكرون اللّه تعالى عليّ . ثم جاءني رجل أشعث أغبر وأعطاني غليون ، وقال : اشرب . فأخذته وشربت . ثم قال له أخوه : قم بنا واركب معي حتى نذهب إلى البيت ، فأبى . فألحيت عليه واستنجدت بعض الناس ، حتى ألجأناه إلى الركوب ، فأركبوه ورائي . وسرت حتى وصلنا إلى سيدي خليل عند باب السرايا . فجذبني فسقطت أنا وإياه إلى الأرض . ثم ألحيت عليه في الرواح معي . فأبى وتركني ، ومضى في سبيله . وفي اليوم الثاني وجدته في البيت . وشاع خبره ، واشتهر بين الناس ذكره . وصدرت عنه أحوال عجيبة وأخبار غريبة ، حتى كان الناس يظنّون أن حالته هذه حالة جنون ، وحاشاه . إنما هي فنون ، بعدها حركة وسكون . واستمرّ الشيخ على هذا المنوال مدة حتى جيء له برجل من أشياخ طريقة سيّدي أحمد الرفاعي ، قدس سره ، فكبسه وجاء له بسعوط وسعطه في أنفه ، فانتفخ حالا . وجعل يقول . قتلتني يا شيخ أحمد يا سيدي العفو . فنظر إليه فانطلق معافى لساعته ، وثاب لوقته ، فشفي . واستمر الشيخ المذكور على منوال ما ذكر مدة طويلة ، يتطور في تطورات الأحوال إلى سنة عشرين ومائة وألف . وفي العام الحادي والعشرين أطلق أمره في التصرف ، وترقّى من ذرا الأحوال إلى ذرا أهل المقامات ، على ما حدّث به بعض أهالي الكشف .