فقلت له : اعمل عشرة ، فأخذ ينشد . فأعددت ما يقوله فلم يزد عليها . ثم ذكرنا زيارة أبي يزيد البسطامي قدّس سره . فقال الشيخ عبد الرحمن : هيا بنا الساعة . فقلت : هيا . فسرت والمذكور صحبتنا ، يعني عن النحلاوي .
فلما وصلنا إلى زيارة سيدي أبي يزيد البسطامي « 1 » ، رضي اللّه عنه ، توقف ولم يسر . فسألناه عن توقفه ، فقيل له : يقول الإخوان : تتعب ، ويشير للفقير . فألحينا عليه فسار ، فلم يزل سائرا ، فلم أصل إلى قرية ببيلا إلا بجهد شديد ، وبتنا بها . فقام أهلها بإكرامنا أتمّ قيام ، وحملونا على دوابهم إلى الزيارة . وسرنا بعد زيارة سيدي عقيل المنبجي « 2 » ، ومنه إلى الشيخ حياة بن عيسى « 3 » الحرّاني ، وهو معنا ، وكان يوم الأربعاء . فبتنا عنده . وأقمنا يوم الخميس وليلة الجمعة . وأقامنا الشيخ عبد الرحمن غلسا ، وقال : صلّوا الصبح ، فإن الفجر خرج . فلما رآنا أردنا القيام للصلاة رفع رأسه من النوم وقال : إيش هذه الصّلاة ؟ الفجر ما طلع . فعجبت من كلامه ، ثم صلّينا وركبنا الطريق على ظهور الدواب فلم يخرج الفجر إلا بعد ساعتين . فنزلنا عند نهر بردى وأعدنا الصلاة .
وأخبرني الشيخ عبد الرحمن أنه بعد ذلك قال : ومقصودي أن نصل قبل أن يحمى الحرّ . انتهى .
ثم قال : ولقد عاينّا للشيخ أحمد المذكور كرامات كثيرة . وقال لنا مرة ، وكان معنا الشيخ أحمد بن سراج : أنا متصرّف في ثلثي الأرض . وقال ابن سراج قبله : أنا متصرف في نصف الأرض . فقلت : كأن كلام كل واحد منهما بحسب ما يظهر له . ثم قال الأستاذ الصديقي :
وفي خطرتي الأولى للبيت المقدّس سنة اثنتين وعشرين بعد المائة والألف ، خرجت ملتحفا بشال لئلّا يعرفني أحد ، فعارضني عند باب اللّه ، وقال لي : مصادف العون . فعجبت من معرفته لي . وحصل لنا لطف في تلك الخطرة وعناية .
وقال : وأخبرت أنه في مبدأ أمره كان يلازم جامع أهل البلوى الملاح . فخرج إلى المارة وألقى نفسه منها إلى الأرض . وبدت عليه طوالع الفلاح ، ووقع له مثل هذا في جامع القربى ، كما حكى عنه ذلك بعض من إليه تقرّب .
وحدثني عنه بعض الملازمين لصحبته بمحبّته ما لو أخذنا في سرد ذلك لأدّى إلى الاتساع في تلك المسالك . والقصد من ذكرهم التنبيه لا الاستيفاء ، فإنّ الأولى حظ النبيه .
هامش
( 1 ) يتوهّم بعض أهل دمشق أنه مدفون قرب الغزلانية على طريق المطار ، وهو مدفون في بلده بسطام بدون ريب .
انظر الأعلام ومصادره 3 / 235 .
( 2 ) شيخ عدي بن مسافر ، شيخ شيوخ الشام ، توطن منبج أربعين عاما ودفن فيها ، وهناك من يزعم أنّه « المنيحي » نسبة إلى قرية المنيحة ( المليحة ) شرقي دمشق وأنه مدفون فيها . الكواكب الدريّة للمناوي 1 / 688 .
( 3 ) انظر سيرته في المصدر السابق صفحة 54 ، وطبقات الأولياء لابن الملقّن صفحة 430 وفيه أنه مات بحرّان سنة 581 ه .