ولما كان قاضيا بطرابلس الشام أنشد فيه ممتدحا العالم الشيخ محمد التدمري الطرابلسي قوله :
على فترة قاض أتانا كيوشع * فردت شموس الفضل بعد الغياهب
فقل للدّعيّ إن رام يبلغ شأوه * محال ، ومن يبلغ بلوغ الكواكب ؟
وقد ترجم المترجم خاتمة البلغاء السيد الأمين المحبي الدمشقي في ذيل نفحته « 1 » ، وذكر له من شعره . وقال في وصفه :
سابق حلبة الإحسان ، والحجة البالغة في فضل الإنسان . بهمة دونها فلك التدوير ؛ وشهاب تأبى أن تنطبع في قالب التصوير . لا يبعد عن قدره نيل السّها ، ولا تعزّ عن شيمته في المعالي سدرة المنتهى . وثائقه في المجد ثابتة ، وأغصان محامده في رياض الشرف نابتة . فهو أعظم من أن يفي قول بأوصافه ، وأكبر من أن يقاس طول بمعروفه وإنصافه . وهو الآن مفتي تلك الديار ، وعند حماه تلقى عصا التسيار . فهو كالكعبة يزار ولا يزور ، وأمّ الفضائل بمثله مقلاة نزور . وتآليفه وتحريراته ، وفتاويه وتقريراته ، ملء النواظر والمسامع ، ورونق المحافل والمجامع . ولأقلامه صرير من سرور الصواب بتحرير فتاوى شقّت صدور الجواب .
وله شعر تسمو به اليراعة ، وتعلو ، وتنمو به فرائد البراعة وتغلو . فمنه قوله مضمّنا مطلع قصيدة المتنبي « 2 » :
دار للمياء كنت أعهدها * يجمع شمل السّرور معهدها
أقوت فلا ريمها وربربها * بها ، ولا غيدها وخرّدها
لا تلحني إن وقفت أنشدها * بيت أخي الشعر وهو سيدها :
أهلا بدار سباك أغيدها * أبعد ما بان عنك خرّدها
وكفّ عن عبرة أحدّرها * فيها وعن زفرة أصعّدها
هل هي إلّا بلوى أحقّقها * ونار وجد بالدمع أخمدها
ما لبنات الهديل تطربني * ألحانها عندما تردّدها
حمائم كلّما هتفن ضحى * يشبّ من لوعتي توقّدها
أبكي وتبكي معي فنحن كذا * تسعدني تارة وأسعدها
يا من لنفس عن برئها عجزت * أساتها واستعاذ عوّدها
ومهجة قد قضت صبابتها * لها ، وقد خانها تجلّدها
هامش
( 1 ) في أول شعراء حلب ، صفحة 339 - 350 .
( 2 ) البيت المضمّن هو الرابع ، انظر الديوان بتحقيق عبد الوهاب عزّام ، صفحة 2 .